تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

مونيكا حنا ومستقبل علم المصريات (1-2)

M.Adam
أحمد الجمال

أحمد الجمال

دوماً، وكلما حانت فرصة لأكتب عن أساتذتي.. في مراحل التعلم المتعاقبة، كتبت عنهم. ومهما كتبت.. فلن أوفيهم حقوقهم.

ولأن موضوع هذا المقال يتصل بعلم المصريات وبالآثار؛ فإنني أذكر – بكل التوقير والاحترام – أساتذتي.. الذين تتلمذت لهم في مجال تاريخ مصر والشرق القديم؛ ومنهم الأساتذة الدكاترة.. نجيب ميخائيل إبراهيم – صاحب الموسوعة المهمة عن حضارات مصر والعراق وفارس والشام والجزيرة العربية – الذي ترجم كتباً مهمة، منها: مصر الفراعنة لجاردنر، وكتاب الحياة اليومية في مصر القديمة لشورتر.

ثم أستاذي عبدالعزيز صالح.. الذي له عديد من المؤلفات؛ منها: التاريخ في مصر القديمة، والحوار في الأدب المصري القديم، وحضارة مصر القديمة وآثارها، والمرأة في النصوص والآثار العربية القديمة.

وأستاذي عبدالمحسن بكير.. صاحب الريادة في دراسة قواعد اللغة المصرية في عصرها الذهبي، وأستاذي عبدالمنعم أبوبكر.. الذي ألَّف العديد من الكتب، منها: أخناتون، ولمحات من التاريخ المصري، وبلاد النوبة، وترجم كتباً مهمة عن الحياة المصرية في العصور القديمة، وديانة مصر القديمة.. للألماني أدولف إيرمان، وكذلك درَّسني الدكتور جمال مختار.

ومع هؤلاء، تعلمت من قراءة كتب الدكتور سليم حسن، والدكتور أحمد بدوي، والدكتور عبدالحميد زايد، والدكتور باهور لبيب، والدكتور سامي جبرة.. وغيرهم.

ولذلك توقفت طويلاً أمام سطور كتاب «مستقبل علم المصريات»، ومؤلفته الدكتورة مونيكا حنا، وترجمه أحمد سمير سنطاوي، ونُشر في القاهرة 2025، والناشر دار ديوان، وتقع ترجمته العربية في حوالي 160 صفحة.

وفي رأيي المتواضع – إذ ما زلت تلميذاً يتعلم – فإن الدكتورة مونيكا.. تطرح – وتناقش – في كتابها.. قضايا شديدة الأهمية، يحتاج بعضها إلى شجاعة.. بل إلى جسارة علمية وذاتية، لأنه مثل عش الدبابير أو وكر الأفاعي؛ سواء فيما يتصل بدور الاستعمار.. على كافة أصعدة الآثار المصرية، وتاريخ مصر القديم. أو يتصل بواقع علم المصريات في الجامعات المصرية، وواقع التنقيب عن الآثار، وأحوال المتاحف. ثم تختم الكتاب بجزء بالغ الأهمية؛ هو مستقبل علم المصريات.

وقبل أن أحاول الإشارة للخطوط العريضة.. لما تضمَّنه هذا الجزء المهم، أود أن أذكر أن الدكتورة مونيكا، استعانت في تأليف هذا الكتاب – الذي لم يزد عدد صفحاته على 136 صفحة من القطع المتوسط – بحوالي 150 مرجعاً أجنبياً، وبمصدرين باللغة العربية، ثم بتسع وثائق أصلية مهمة.. من دار الوثائق القومية.

ومن باب الفضول المعرفي؛ بحثت عن أصل اسم مونيكا، فوجدت أنه اسم علم مؤنث.. من أصول يونانية ولاتينية، ويعني في المسيحية.. «صاحبة النصيحة»، أو «المرأة الفريدة والوحيدة». وكانت إحدى القديسات تحمل اسم مونيكا، وهي أم القديس أوغسطينوس.. وتُعد في التراث المسيحي نموذجاً مسيحياً.. شهيراً في الصبر والمثابرة، والصلاة الدؤوبة.. من أجل خلاص عائلتها. وفي المعنى الروحي، يشير الاسم في دلالته الروحية.. إلى الحكمة والإرشاد نحو طريق الحق.

وأعود إلى مستقبل علم المصريات، الذي تصدرت الجزء المخصص له.. عبارة اقتبستها المؤلفة من كتاب لعالمة الآثار والمؤرخة البريطانية-الأمريكية كريستينا ريجز – المتخصصة في تاريخ علم الآثار، وتاريخ التصوير الفوتوغرافي، والفن المصري القديم – ونصها: «خلال مسيرتي الأكاديمية، لم أدرس أي شيء عن السياق السياسي لعلم الآثار في مصر، أو الظروف الجائرة التي تمت فيها الحفائر، أو العنصرية المتأصلة في علم المصريات؛ وهي العنصرية التي كانت – في الواقع – سبب وجوده، كما أشرنا. وما زال هذا الوضع قائماً إلى اليوم.. في معظم المناهج المدرسية أو الجامعية، التي لم تتغير كثيراً إلا في حالات استثنائية، تقودها مبادرات ينبغي تشجيعها. لكن هذا التقدم بطيء، وكثيراً ما يقابل باستجابات رجعية، أو بما هو أسوأ من ذلك.. بالصمت؛ كما رأى الفكر الأوروبي الغربي – منذ القرن الثامن عشر – سكان مصر المعاصرين.. غير قادرين على فهم ماضيهم العريق، ناهيك عن تقديره والاهتمام به».

وتكمل الدكتورة مونيكا، فتكتب أن ذلك الفكر.. واصل هيمنته على علم المصريات حتى اليوم؛ فعلاقة المصريين – من كل الفئات والهويات الاجتماعية والثقافية – بتراثهم، وما يقولونه عن تاريخهم.. يظل مهمشاً، وخارج نطاق الدراسة.

ورغم أن صميم الدراسة، هو رصد الهيمنة الأجنبية الاستعمارية على علم المصريات – وعلى الآثار بوجه عام – إلا أنها استخدمت بعض المصطلحات التي يمكن تعريبها.. ليفهمها المواطن المصري العادي، الذي تستهدف الدراسة إنهاء تهميشه. وقد جاء عنوان نصه «فينومينولوجيا علم المصريات»، ورغم أنني أعرف المعنى المقصود – بحكم ما لديَّ من قليل من المعرفة – لكن حق القارئ العادي أن يعرف – مثلما عرف من واتتهم الفرصة – والكلمة مكوَّنة من شقين: أولهما «فينومينا» ومعناها الظاهرة، و«لوجي» وتعني الدراسة العلمية لمجال ما؛ وبذلك يكون معنى الكلمة هو «العلم الذي يدرس الظواهر» (علم دراسة الظواهر).. أي الظاهراتية، التي تهتم بدراسة الظواهر؛ كما يختبرها ويعيشها الوعي البشري.

ويتبقى أن أدخل في الموضوع؛ وهو اقتحام مونيكا حنا لأعشاش وأوكار الدبابير والأفاعي. وهذا مقال تالٍ.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة