محمد أبوالغار
حوار بين الصحفي الواعد شهاب طارق، والمعماري العالمي ماهر إستينو.. في أخبار الأدب.
تخرَّج إستينو في كلية هندسة القاهرة. حصل على الماجستير والدكتوراه في أمريكا.. في التخطيط البيئي وتنسيق المواقع الطبيعية، ويقول إنه علمٌ مبني على الفلسفة، وساهم في تخطيط أربع مدن أمريكية. ثم عاد إلى مصر، وشغل منصب عميد كلية التخطيط الإقليمي والعمراني بجامعة القاهرة، وساهم في تخطيط منطقة الدرعية بالسعودية، ومدينة شمس في أبوظبي، وحديقة باب تشرين في حلب. وعمل خبيراً للتخطيط العمراني.. التابع للأمم المتحدة، وأسهم في تخطيط مدينة دبي. ويقول إن دبي مدينة حديثة.. ليس لها تاريخ، وجرى إعادة تخطيطها بالكامل باستثناء جزء صغير، ولكن القاهرة مثل لندن وباريس مدن تاريخية وتجمع أكبر تجمع للتراث العمراني الإسلامي.
قام د. إستينو وزوجته المعمارية د. ليلى المصري.. بتصميم حديقة الأزهر، التي تُعتبر من أفضل حدائق العالم، وكانت أكبر موقع للزبالة (التي وصلت إلى عمق 40 متراً). ويقول إن الفضل للأمير كريم أغاخان.. الذي قام بتمويل المشروع بالكامل، فأبدع حديقة عالمية متميزة. وليس كمشروع حديقة المنتزه بالإسكندرية.. الذي خطط له، ولم يتم تنفيذه.. وأقيم مشروع يهدف إلى الربح السريع، بتحويلها إلى مناطق تجارية.
ثم يقول.. إنه تم تشويه نموذج حديقة الميريلاند بمصر الجديدة، بسبب الرغبة في تسليع المساحات الخضراء. ويقول إن حديقة الأزهر.. التي ربطت الآثار الإسلامية المحيطة بها والمناطق التاريخية؛ مثل السلطان حسن والجامع الأزهر والدرب الأحمر، صُمِّمت وفقاً لمفاهيم العمارة الإسلامية، وكلها تعبِّر عن الفن والحضارة الإسلامية.. ولكن بروح معاصرة. وتم الاعتماد على مواد صُنعت محلياً، ونفذها حرفيون محليون من الدرب الأحمر.
تم تكليف المهندس إستينو بمشروع إعادة إحياء حديقة الأزبكية. وهو يقول إن مساحتها – حين أُنشئت – كانت 22 فداناً، وبها جبلاية وتشجير كثيف وخمس برجولات خشبية، ولكن اقتُطع من الحديقة 10 أفدنة، ودُمرت المباني التاريخية، واقتلعت الأشجار التاريخية، وتم بناء جراج قبيح مكان دار الأوبرا، وتبقَّى فقط.. ما يقرب من ثلاثة أفدنة من الحديقة. ويقول إن حديقة الأزبكية.. هي حلقة الوصل بين القاهرة الفاطمية والقاهرة الخديوية.
وقال إنه وضع تخطيط كورنيش أسوان الجديدة.. في جلسة مع مصطفى مدبولي، بحيث تتحول المدينة بالكامل إلى مدينة مشاة، وحديقة عامة.. طولها 8 كيلومترات. وقال إن المشكلة تكون عند تسليم المشروع. «لن يكون له صاحب» فتبدأ عشوائية بناء الأكشاك القبيحة ويضيع المشروع. ثم قال.. إن جميع الدول تحاول الآن إزالة الطرق السريعة الموجودة داخل المدن، بينما في مصر تم التوسع في الحارات المرورية والتضحية بالأشجار، وأدى ذلك إلى ارتفاع درجة الحرارة، ونسبة التلوث، وضاعت المناطق الخضراء.
ويقول إن الحدائق.. يجب أن تتبع هيئة.. تحافظ عليها كملكية عامة. وقال: فقدت مصر الجديدة هويتها بسبب التوسعات المرورية، التي تجاهلت (اللاندسكيب)، وهو ما ينطبق على مدينة الإسكندرية التي جرى تشويهها.. بسبب التوسع في إنشاء جراجات، واقتطاع مساحات واسعة من البحيرات الشمالية، وهي كارثة بيئية.. لأن البحيرات لها دور بيئي، في التعامل مع الثورة السمكية، وضبط حركة الأمواج، وامتصاص العواصف.
ويتحسر د. إستينو على ما حدث في منطقة عرب اليسار – الواقعة أسفل القلعة – التي نادى الجميع بالحفاظ عليها، وقال إنه تم التضحية بالتراكم التاريخي.. ولم يُراعَ حرم القلعة الأثرى.
ويقول إن منطقة حدائق الأهرام بُنيت.. لتحويلها إلى مدينة خضراء، ولكنها تحولت إلى منطقة عشوائية طاردة للسكان، وهي تمثل أسوأ تدهور عمراني في القاهرة.
ويقول إن منطقة حدائق الأهرام بُنيت لتحويلها إلى مدينة خضراء، ولكنها تحولت إلى منطقة عشوائية طاردة للسكان، وهي تمثل أسوأ تدهور عمراني في القاهرة.
ثم تحدَّث عن النسيج العمراني لشارع الأزهر، واستبدال نفق بحركة مرور السيارات، ثم تحويل شارع الأزهر إلى شارع للمشى فقط، ويُربط بشارع المعز. وقال إن إحدى المشكلات أن تخطيط المرور.. يتم بقرارات غير المتخصصين، فالعملية تدار بعشوائية، فوصلنا إلى نقطة شديدة التعقيد. ثم تحدَّث عن مشكلة تحلل العمران.. بسبب وجود عمارات قديمة عظيمة، ولكن مهملة، وتتحلل بالتدريج.. لعدم وجود الدافع لدى المالك للإصلاح، مع انخفاض قيمة الإيجار. وفي نفس الوقت، لا يوجد أي إجبار للسكان.. للعناية بالمبنى، وترميمه وإصلاحه والحفاظ عليه. في الماضي كان المجلس البلدي يتولى اتخاذ القرارات السليمة.. في الحفاظ على المدينة، وكان يضم مجموعة من المهندسين ذوي الكفاءة، ونخبة مثقفة تفهم في الفن والجمال، وتحافظ على مدينتها. الآن المحافظة أصبحت مسؤولة.. بإدارات بيروقراطية غير متخصصة، مما أدى إلى ظهور العشوائيات، ويتوقع أن تتفاقم في السنوات المقبلة.
عُهد إلى المهندس إستينو.. بتصميم مشروع «التجلي الأعظم».. في سانت كاترين، وهو المشروع الذي أثار نقاشات واعتراضات كثيرة. يقول إن المنطقة مهملة تماماً.. تزورها عدة أتوبيسات، يستقبلها البدو.. ويصعد البعض على جبل موسى، وينزلون بعد الفجر، والبعض يستطيع زيارة الدير. وقال إن الزوار يتركون كميات ضخمة من المخلفات.. في غياب المياه والكهرباء.
التصميم الذي قدمه يتضمن الاحتفاظ بحرم دير سانت كاترين بالكامل.. وعدم البناء فيه، ويتم البناء خارجه.. بشرط الحفاظ على طبوغرافية الموقع، وعدم تغييره بصرياً. وصمم فندقاً بيئياً جديداً.. يحوي 200 غرفة، وفندقاً جبلياً صغيراً، وتم تنفيذ المباني.. بطريقة الدفن تحت الأرض؛ عبر فتحات صغيرة يصعب ملاحظتها بصرياً، ولا تؤثر على بانوراما الجبال الطبيعية. وصمم أيضاً ساحة – مدفونة بالكامل تحت الأرض – تسع 430 شخصاً.
وكانت هناك تخوفات لدى الكثير.. من إمكانية تدمير المناطق المسجلة كمحميات طبيعية. ويقول إنه ألغى طريقاً أسفلتياً.. واستبدل به ممشى ترابياً للسكان والزوار، ومساراً آخر للجمال، وزرع 7 آلاف شجرة زيتون. وسوف يكون المرور في المنطقة بعربات الجولف الكهربائية، ويتم توفير شبكة صرف وشبكة مياه شرب. ودافع عن استخدام الخرسانة.. في هذه المنطقة المهتمة بالبيئة، وقال إنها لن تظهر للعين، وتم الاتفاق مع الأهالي على عرض منتجاتهم اليدوية والزراعية. ورغم تفاؤله بالمشروع، إلا أنه يخشى من طريقة إدارته، أو أن يقرر المسؤولون إنشاء أكشاك تجارية في المناطق المفتوحة، ويرجو أن يتم التعاون مع اليونسكو.. للحفاظ على المكان.
شكراً للمهندس ماهر إستينو، وللصحفي النشط شهاب طارق. وواضح أن القاهرة، وكذلك الإسكندرية.. تعاني من مشاكل كبيرة، تضخمت بسبب تنفيذ مشروعات غير مدروسة داخل المدينة. واضح أن الخبرة والوعي والثقافة.. أمور ضرورية، لمن يقرر أي تغيير في مدننا القديمة التاريخية، وللأسف هذا غير متوفر حالياً.
قوم يا مصري.. مصر دايماً بتناديك.
نقلاً عن «المصري اليوم«