Times of Egypt

أيام جنوب النهر: رواية متميزة ومشوقة

M.Adam
محمد أبو الغار 

محمد أبوالغار

فاطمة العوا.. تكتب رواية مشوقة جداً، والتشويق منطقي ولطيف وبه حرفية. مشاكل السودان تاريخياً.. مشروحة بالتفصيل في الحوارات التي دارت في سرد الرواية، وحجم الكارثة التي يعيش فيها السودانيون واضح، وأسبابه كلها في الرواية. البلاد العربية كلها ومشاكلها والعنف والخوف.. واضح داخل الرواية. فشل كل ثورات الربيع العربي، تجدها على ألسنة أبطال الرواية. استخدام اللهجة السودانية كان بارعاً، ومعرفة الكاتبة بالسودان واضحة، وبالتأكيد عاشت هناك فترة. والرواية صادرة عن دار العين.

تبدأ الرواية، حين اتفق ثلاثة أطباء أصدقاء.. يعملون في إنجلترا؛ ناجي.. المصري، وإدريس.. السوداني، وأليكس.. الإنجليزي. اتفقوا على القيام برحلة غطس في البحر الأحمر.. جنوب بورسودان. وذهبوا إلى الخرطوم لزيارة عم إدريس – الذي تربى في بيته، بعد إعدام والده المثقف الوطني الشيوعي في أحداث سياسية سابقة – وعاش مع أولاد وبنات عمه كأخٍ لهم. اصطحب إدريس ناجي لزيارة عمه، وبينما هم على سطوح البيت.. ومعهم هاجر بنت العم إدريس، صعدت الخادمة بأمر من العم بأن توصد الباب المؤدي للسطوح، وفي هذه اللحظة.. شاهدوا سيارات تقف أمام البيت، وينزل منها رجال مسلحون يدخلون البيت، وسمع طلقات رصاص.. فأمسك ناجي بهاجر، ووضع يده على فمها.. حتى لا تصرخ. قام ناجي بتصوير المسلحين القتلة من السطوح. فهم إدريس أنهم قتلوا عمه – محافظ البنك المركزي السوداني – وزوجته والخادمة. تركهم فوق السطح ونزل، وتأكد مما حدث.

الحديث يدور بلهجة سودانية.. واضح أن الكاتبة خبيرة بها. وفهم إدريس أن عمه أدرك ما سوف يحدث، ولذا طلب إغلاق الباب المؤدي للسطوح. خرج إدريس وناجي وهاجر.. بسيارة العم الكبيرة، وعادوا إلى الفندق.. الذي كانت حوله حراسة مشددة، وأصوات الرصاص تدوي في كل مكان. تذكَّر إدريس اشتعال الثورة عام 2018، وسقوط البشير في 2019. وتحدث ناجي المصري مع إدريس السوداني عن 25 يناير في مصر، والتيار الإسلامي الذي اختطف الثورة، ويسمونهم في السودان.. «الكيزان». كان إدريس يتمنى أن تنتهي الثورة بالديمقراطية.. التي تمت التضحية بها في سبيل الاستقرار في ثورات الربيع العربي. ويقول إدريس إن السودان الآن مهيأ لحرب أهلية. هاجر كانت نائمة في كرسي السيارة الخلفي تتذكر دراستها للحقوق، وتشعر بأن أباها قد قُتل، بينما كانت على السطوح.. بدون تأكيد من أحد، وتتساءل: هل كنا نتصور بعد توقيع الاتفاق الإطاري بين الجيش والدعم السريع، أن يحدث تطور ديمقراطي؟

في بداية الثورة، ترك الطبيب إدريس عمله في إنجلترا.. ليشترك في الثورة السودانية، التي تصور أنها نجحت، وأصبح السودان ديمقراطياً. كانت ساحة الفندق مزدحمة، والقلق والخوف واضحين على الجميع. أليكس الطبيب البريطاني.. حاول الاتصال بالسفارة البريطانية في الخرطوم، ووزارة الخارجية في لندن.. لإنقاذه، ولا مجيب. ودار الحديث عن الترابي.. الذي منع المرأة من ارتداء البنطلون. تعرف أليكس – في الفندق – على عمار السوري، الذي تجنس بالجنسية السودانية، وافتتح مصنعاً للجلود في الخرطوم. قال عمار لأليكس.. إنه دفع 5 آلاف دولار مقابل الجنسية السودانية، وإنه يوجد في السودان الآن.. 320 ألف سوري، بعد أن تعدى الرقم المليون سابقاً. وشرح لأليكس عن تجارته في صناعة الجلود. وشرح أنها بداية حرب أهلية.. لأن الجيش اعتمد على الدعم السريع، الذين أصبحوا قوة موازية. ثم قال لأليكس: يجب علينا الهروب سريعاً، وأنا أود أن أتحرك معكم.

ذهب إدريس وناجي إلى منزل عم إدريس، حيث ساعدا في إجراء التغسيل والدفن. وحكى ناجي عن بهدلة والده لمدة سنتين.. بعد ثورة 25 يناير.. حتى أعيد اعتباره له، ثم وصلا إلى الفندق، فوجدا أن الحصار قد زاد، وطلقات الرصاص تدوي. ركن السيارة خلف الفندق، ومعه شنطة يد هاجر وبها الباسبورات. وعلما أن المطار مغلق، وأن خدمة الانترنت متقطعة. رفع ناجي الفيلم الذي صوره للقتلة من السطوح على شبكة الإنترنت.

هاجر.. بنت مثقفة ومتعلمة، واشتركت في الثورة السودانية، وارتدت البنطلون.. ضد إرادة الترابي، وأخيراً سألت إدريس عن تفاصيل مقتل أبويها، وحكى لها. بدأ ناجي وإدريس وهاجر وأليكس يفكرون.. إلى أين يهربون؟ واستقر الأمر على الهروب للشمال.. إلى مصر، عن طريق البحر من بورسودان، وقاموا بأخذ مؤونة من الأكل والماء، وقال أليكس لأصدقائه.. إن عمار السوري يريد أن يذهب معهم، وبعد تردد.. وافقوا، وانطلقوا.. بعد أن أفادت هاجر بأن عمار معروف جداً في الخرطوم، فهو الذي يبيع الملابس والشنط الجلدية. وكانت هاجر هي التي حددت طريق السيارة الأكثر سلامة.

قبل الرحيل، دارت أحاديث الذين يستعدون للهرب من الخرطوم، البعض خائف من العودة إلى مصر، ومن يخاف من بلد آخر. وأرسل ناجي رسالة إلى القبطان بكر.. الذي كان قد اتفق معه على رحلة الغطس، وصدرت له الأوامر بإلغاء الرحلة من الغردقة إلى السودان.. لخطورة الموقف، ولكنه قرر الذهاب لأنه أعطى كلمة. اكتشفوا أثناء الرحلة بالسيارة، أن الفيديو على النت.. رآه الإرهابيون، وعرفوا من أطلقه، وذهبوا إلى الفندق لقتلهم، ولكنهم كانوا قد غادروا. استطاع ناجي الاتصال بأخته مريم.. التي استطاعت – مع زوجها – الاتصال بشخصية مهمة في الأمن المصري، وكان يعمل سابقاً في السودان، الذي اتصل بإحدى العصابات المسلحة.. التي كانت على علاقة طيبة به، طالباً تأمين سفر ناجي وزملائه.

سلكت السيارة الطريق الذي حددته مريم وعمار، وأوقفتهم في الطريق عصابة.. أشهرت بندقية لتهديدهم، فأخرج عمار مسدسه، وقتل أفراد العصابة. وانطلقوا بالسيارة – وسط ذهول الجميع – حتى وصلوا إلى بيت أحد معارف العائلة، وتناولوا الطعام. أخبر الرجل الكبير إدريس.. بأن العصابة – التي اتفقت مع أقارب ناجي في مصر – سوف تحميهم حتى الوصول إلى بورسودان، وطلب الرجل من إدريس.. أن يأخذوا معهم ابنته نبراس، لأن خطيبها في أوروبا، ويريد إتمام مراسم الزواج، وأعطاها ذهباً وأموالاً.

انطلقت السيارة في حماية العصابة، وفي الطريق.. اتصلوا بربان السفينة بكر، وعرفوا أنه في انتظارهم، ووصلوا سالمين، وركبوا السفينة.. مع عدد من الهاربين الآخرين، وقبل وصول السفينة إلى ميناء الغردقة.. قفز عمار السوري في البحر، وقد أعلم أصدقاءه سابقاً ..أنه كان منضماً إلى داعش، وأن اسمه على القائمة السوداء، ولن يستطيع دخول مصر بطريقة شرعية. وعند وصول الجميع إلى الغردقة، كانت مريم وأبوها في انتظار ناجي. وتنتهي الرواية.. حين يتلقى إدريس اتصالاً تليفونياً من عمار، يخبره بأنه في لندن.. مع وفد من الحكومة السورية الجديدة.

الرواية إنسانية للغاية، والارتباط الأسري في السودان شديد الوضوح. وهي مليئة بالحب الصادق الجميل؛ سواء كان حباً بين رجل وامرأة، أو بين الأصدقاء. رجال السودان الكبار – الذين درسوا في بريطانيا – لم يفقدوا هويتهم، وحافظوا على تقاليدهم وإنسانيتهم.

قوم يا مصري.. مصر دايماً بتناديك.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة