Times of Egypt

تسجيلات صوتية مذهلة (1915- 1918) لأسرى فيلق شمال أفريقيا

M.Adam
محمد أبو الغار 

محمد أبوالغار

«عاليا مسلم».. أكاديمية مصرية عظيمة.. مهمومة بالوطن، وبكل القضايا العالمية في التاريخ.. التي لها انعكاسات على الأوضاع في بلادنا. في السنوات الأخيرة عرف المصريون عن فيلق الفلاحين المصريين.. الذين اختطفهم الإنجليز، وقُدِّر عددهم بنصف مليون فلاح. لم نكن نعرف أن هناك فيالق أخرى عددها 2 مليون – من تونس والجزائر والمغرب، وبعض بلاد أفريقيا، ومدغشقر ونيبال – اختُطفوا ليحاربوا كجنود مع الحلفاء؛ فرنسا وبريطانيا. وقد أسر الألمان بعضهم في معسكرات، وقاموا – في الفترة من 1915 إلى 1918 – بعمل تسجيلات صوتية لهؤلاء الأسرى.. بالكلام أو بالغناء، وتم الاحتفاظ بهذه التسجيلات أكثر من مائة عام، حتى قامت عاليا مسلم – وزملاؤها – في برلين بالاستماع إلى هذه الأغاني والكلمات.. والكثير منها بالعربية.

اهتم الأكاديميون الألمان بتسجيل كلام وغناء الجنود الأسرى.. من شمال أفريقيا وروسيا والهند وأفريقيا وآسيا، الذين كانوا يحاربون تحت علم فرنسا وإنجلترا. وتضمنت هذه التسجيلات أنواع الموسيقى، واللهجات المختلفة في المعسكرات.. التي كان الأسرى بها معظمهم مسلمون. وكان ذلك أمراً مشجعاً لعلماء اللغويات، والباحثين في موسيقى الأجناس المختلفة. 

عندما رفض بعض التونسيين ركوب السفن الفرنسية.. لإلحاقهم بالحرب، تم إعدامهم. اعتمدت عاليا على خبرتها السابقة في دراسة أغاني الفيلق المصري.. في دراسة تسجيلات شمال أفريقيا. وقامت بعمل نسخ صوتية، وأخذوها إلى الموطن الأصلي لأصحاب الأصوات، لمعرفة رأي الأهالي في الكلام.. وفهمهم له، وكذلك تذوقهم للموسيقى، وذلك بعد 110 أعوام من التسجيلات.

استمعوا إلى أغانٍ عن المقاومة؛ مثل قصيدة أبي فراس الحمداني من القرن العاشر.. التي كان يغنيها محمد بن محمد بن صالح من تونس، وكان يغنيها بلغة صحيحة وبمهارة. وهناك أغانٍ وكلمات واضحة، وأخرى غير واضحة؛ مثل الأسير المغربي جيلاني، الذى قام بأداء أغنية قصيرة، ولكن المستمعين كانوا يعرفونها ويشاركون أحياناً بالضحك.

وفي برلين، كانت الأغنية توحي بأنها تعبِّر عن مشاعر أسير في الحرب، أو شخص يعمل بالسخرة. ولكن في مراكش، شرح لهم مواطن مغربي أنها أغنية موجهة إلى عبدالقادر الجيلاني، وهو ولي صوفي له مكانة في المغرب والجزائر. وكان الشعب يغني له أثناء الاحتلال الفرنسي. الناس في مراكش تعاطفت مع الغناء، وتحدثوا عن الأعداد الذين تم تجنيدهم. وهناك بعض الأغاني التي تشير إلى المقاومة.. أثناء اقتلاعهم من القرى ليركبوا السفن الفرنسية. وكان الأسرى – أثناء التسجيل منذ مائة عام – يخافون من هذا الجهاز الذي يذيع أصواتهم مرة أخرى، وكانوا يعتبرونه نوعاً من الجن. 

وتتحدث عاليا عن حقوق الملكية الفكرية. الألمان يعتبرون أن ما تم تسجيله.. فلكلور شعبي متاح للجميع، ولكن عاليا تعتقد أنها – في الحقيقة – ملك لأصحابها من المتحدثين والمغنين. وتنتقد الأكاديمي الألماني الذي قام بتسجيل الصوت، وكان يتندَّر على الأسرى.. لأنهم لم يفهموا معنى التسجيل. الترجمة كانت أيضاً.. تعبر عن الجانب الثقافي للأسرى. هناك مفاجآت، فحين تم الاستماع لما حدث مع الأسير بهوان (من نيبال).. الذي اختطفته بريطانيا ليحارب معهم، واكتشفت عاليا أن بهوان كان يغني أغاني الأشباح، لأن الألمان طلبوا منه أن يغني أغاني الفلكلور في نيبال. لكنه – في الحقيقة – كان يغني حزناً على أشباح زملائه.. الذين قُتلوا في الحرب. ويقول إنه.. بعد الموت، إذا لم يتم حرق الجثمان جيداً، فإن الشبح يعود ليتكلم ويحكي.

أحد زملاء عاليا.. أخذ أغاني الأسرى الأفغان، وذهب إلى أفغانستان، واستمع الناس للموسيقى، وأعادوا عزفها على المسرح. وهناك بعض أحفاد الأحفاد، الذين استطاعوا تحضير ألبوم كامل عن تاريخ الجد الكبير؛ مثل صدوق بن رشيد، وجاسر حاج يوسف. واستطاعوا أن يمزجوا بين الكلام والموسيقى. وقد استمعت للتسجيلات بكل تركيز، لأنه كانت هناك همسات تحاول أن تدفع السجين.. للحديث بطريقة محددة. واستمعت إلى أحدهم يؤذن للصلاة، وكتبت عن التسجيلات بعد أن استمع إليها أهالي الأسرى.

وفي أحد التسجيلات لأحد المغنين التونسيين.. بدأت السكرتيرة تطبل على الترابيزة، وانهمك الجميع في الغناء، وهو ما يعني أن هذا الغناء يعبِّر عن الحياة. وفي المغرب يوجد عدد من أهل السنغال ومدغشقر، وتم التواصل معهم.. للاستماع، وشرح ما وراء هذه الكلمات والأغاني في التسجيلات. 

الأرشيف الألماني يقول.. إن هذه الأغاني للرقص أو للحب، ولكنها – كما تقول عاليا – ليست كذلك، لأنها أغانٍ تعبِّر عن وضعهم البائس.. كأسرى حرب. كتب الأكاديميون أنها أغاني من الفلكلور، ولكنها – في الحقيقة – تعبِّر عن المقاومة للاختطاف والأسر، وبها قوة وشجاعة. 

تقول عاليا إن هؤلاء عاشوا وأُسروا وهم يأكلون ويتنفسون. وفي نفس الوقت تم تصويرهم والتسجيل لهم.. بواسطة سجانيهم من الألمان. وتقول إن بعض التسجيلات يبدو فيها الحزن واضحاً، وأحياناً الفرح. وبعض التسجيلات ترفع الروح المعنوية، والبعض يحرك مشاعر المستمع، والبعض يثير الغضب.. أو يدخلك في حالة من الحزن، وكلهم يثيرون عواطفك. وفي النهاية كل هذه المشاعر تدفعك إلى الكتابة. 

بدأت عملية إعادة التأهيل الاجتماعي للأصوات في البرنامج، وتم عمل نسخ.. يستطيعون الوصول بها إلى أهل تونس والجزائر والمغرب، وتعتقد أنه من المهم أن يتم توزيع نسخ عليهم، وأخذ رأي الأهالي في الحكايات القادمة من ميدان القتال.. في جلسات الاستماع. وهي كانت تريد أن تعرف رأي جنود الفيلق، وليس رأي مدير البرنامج الألماني.. الذى نظم المشروع منذ أكثر من مائة عام. لم يكن لدى الباحثين معرفة بنوايا المتحدثين.. أصحاب الأصوات المسجلة. هناك مشاعر شخصية؛ لأنك تشعر بأن الصوت في التسجيل.. يبدو وكأنه يتحدث إليك شخصياً. وقد استعانت بالطلبة للاستماع، لأن المستمع يحتاج إلى خبرة، وأذن أخرى.. قبل تحليل الأصوات، وحيث إن عاليا تفهم العربية، فكان الاستماع إلى أصواتٍ من شمال أفريقيا.. تتحدث بالعربية منذ أكثر من مائة عام، أمراً حرك الحواس بقوة. 

وكان المتحدثون في التسجيلات يبدو أنهم تم اختيار..هم ممن يجيدون الحديث ويحفظون الشعر. قد يكون الحديث عن الخيانة أو الشجاعة، ولكن حديث الأسير عن نفسه كان أيضاً مثيراً. والاستماع إلى أغنية عن الحب في برلين، يختلف تماماً عن الاستماع إلى نفس الأغنية في مراكش. ويبدو أن معظم الأسرى تحدثوا عن حكاياتهم الشخصية.. في صورة أغنية أو حادث معين، ويبدو أنهم كانوا يتفقون على نوع الغناء والحديث وهم في المعسكر.. قبل التسجيل، وربما يكونون قد اتفقوا على ما سوف يقولون.

الحكاية غريبة، وأن يفكر الجيش الألماني في الاستعانة بأكاديميين.. لتسجيل حكايات أسرى الفيلق، في وقت كان تسجيل الأصوات فيه صعباً وبدائياً، وفي وسط الحرب، يشير إلى الاهتمام بالتاريخ، وحفظ الآثار.. في أرشيف عاش أكثر من مائة عام. 

شكراً لعاليا مسلم، التي نقلت إلينا حدثاً تاريخياً مهماً.

(قوم يا مصري.. مصر دايماً بتناديك)

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة