د. نيفين مسعد
توجد وفرة ملحوظة.. في الرؤى الخاصة بمستقبل خرائط التحالفات، والترتيبات الإقليمية في الشرق الأوسط.. بعد أن تضع الحرب الحالية – بين الولايات المتحدة/إسرائيل وإيران – أوزارها. وهذه الظاهرة متكررة في عقب التطورات المفصلية.. التي تمر بها أقاليم العالم المختلفة، وتوجب التواؤم مع التوازنات التي أفرزتها بما يناسبها من تحالفات، وإن كان هذا لا يعني أن سياسات الاستقطاب والمحاور المتواجهة.. هي سياسات بنَّاءة أو إيجابية. لكن من بين العديد من نماذجها؛ ظهور جبهة الصمود والتصدي في سبعينيات القرن الماضي، مع الرفض العربي لاتجاه مصر نحو السلام مع إسرائيل، وتطوُّر هذا الاتجاه السياسي – بعد اندلاع الثورة الإيرانية ودخولها على الخط – إلى محورَي.. الاعتدال، والممانعة/المقاومة.
وفيما يخص تصوُّر مستقبل الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب – حتى قبل أن تتضح مآلات الهدنة المؤقتة القائمة، وما إذا كانت ستؤدي لتجدُّد الحرب مرة أخرى، أم أنها ستُفضي لتسوية سلمية – تطرَح الدوائر السياسية ومراكز الفكر رؤاها المختلفة.. حول الترتيبات الإقليمية في الشرق الأوسط. ويتفق معظم هذه الرؤى.. في الحرص على عدم تجدُّد الحرب، وفي ربط الأمن بالاقتصاد، وفي المزج في العضوية ما بين العروبة والشرق أوسطية.. من حيث الهوية والانتماء الجغرافي أيضاً. لكن تختلف الرؤى فيما عدا ذلك؛ حول كيفية الحيلولة دون تجدُّد الحرب، وما إذا كان ذلك سيتم عن طريق الإخضاع والإملاء، أم التعاون والتنسيق. وحول الأطراف المشاركة في الترتيبات الإقليمية المقترحة، ومعايير التضمين والاستبعاد. وحول الموقف من الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة.. وهذا كله من حيث المضمون. أما من حيث الشكل، فإن الرؤى المطروحة اختلفت فيما بينها.. من حيث درجة التبلور والتفصيل؛ أي بمعنى ما إذا كانت مجرَّد خطوط عامة.. مطروحة من باب جسِّ النبض، أم كانت في شكل مبادرات.. على درجة من التبلور. وما إذا كانت تمثل نوعاً من التراكم، والبناء على مبادرات سابقة.. أم تمثل تعديلاً فيها.
وأخيراً، تختلف هذه الرؤى من حيث المصدر، وما إذا كان هذا المصدر رسمياً أم غير رسمي.
وفي هذا السياق، يمكن التمييز بين ثلاث رؤى.. معلنة حتى الآن؛ وتلك هي الرؤية الإسرائيلية، والرؤية الإيرانية، والرؤية السعودية. وسوف يتناول مقال اليوم الرؤية الإسرائيلية بشيء من التفصيل، على أن يتم تخصيص مقال الأسبوع المقبل للرؤيتين الإيرانية والسعودية.
بدايةً بالرؤية الإسرائيلية، فلقد طرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكثر من مرة.. خلال الشهور القليلة الماضية، وهي تدور حول تشكيل محور سداسي؛ يضم إسرائيل مع الهند واليونان وقبرص، ودولتين عربيتين أخريين.. لمواجهة ما سماه بالمحور الشيعي بقيادة إيران، والمحور السنِّي وركيزته جماعة الإخوان المسلمين.. كما قال. ومن المفهوم ضمناً، أن قيادة المحور السنِّي تنعقد لتركيا.. في ظل تمدُّد نفوذها الإقليمي في عدد من الدول العربية. ومع أن هذا الطرح يتسم بدرجة عالية من العمومية، لكنه – رغم ذلك – يُعد هو الأوضح في التعبير عن صورة الشرق الأوسط الجديد، الذي لم يتوقَّف بنيامين نتنياهو عن الترويج له.. منذ السابع من أكتوبر 2023. وفي معرض تحليل هذا الطرح، يمكن إبداء مجموعة من الملاحظات الأساسية؛ الملاحظة الأولى هي أنه يمكن اعتبار هذا التصوُّر ثمرة للديناميكية.. التي ميَّزت التطورات اللاحقة على عملية طوفان الأقصى؛ فبعد مرور أكثر من عام على هذه العملية، بدأَت إسرائيل تشعر بتهديد مصالحها الحيوية من جانب تركيا.. بسبب علاقتها الوثيقة بحكام دمشق الجدد.
وبالتدريج، أخذت تظهر قضايا الخلاف التركي-الإسرائيلي في سوريا.. من قبيل الممر الإنساني الإسرائيلي مع السويداء، واحتلال هضبة الجولان بالكامل، والموقف التركي الواضح من تجربة الحكم الذاتي الكردية، ومحاولة إضعاف النظام الجديد.. عبر مسلسل الضربات العسكرية المتلاحقة. ومع أن الولايات المتحدة تلعب دور ضابط الإيقاع للخلافات التركية-الإسرائيلية، إلا أنه يصعب عليها تصفيتها؛ لأنها تنبع من التناقض بين مشروعين مختلفين.. لدولتين.. تملك كل منهما عدداً كبيراً من أوراق التأثير والنفوذ.
من جهة أخرى، فإن الحرب على إيران في يونيو 2025 – وبشكل أوضح في 2026 – ولَّدت لدى إسرائيل انطباعاً مبدئياً غير دقيق؛ هو أنه يمكن إسقاط النظام في إيران، وتنصيب حليف إسرائيل رضا بهلوي في الحكم. وإن حدث هذا التطوُّر، لكان من شأنه أن يجعل إيران – في ثوبها الجديد – ركناً أساسياً من أركان المحور الإسرائيلي المقترح، ويعيد ترتيب عناصر مصفوفة تهديدات الأمن القومي الإسرائيلي.. بعد تحييد الخطر الإيراني.
الملاحظة الثانية.. على فكرة المحور السداسي، هي تعامُل إسرائيل مع دول الشرق الأوسط من منطلق مذهبي وطائفي؛ وهو خط ثابت في السياسة الخارجية للدولة الإسرائيلية منذ نشأتها، لأنها تُكسبها شرعية.. كدولة قائمة على الديانة اليهودية، ولأنها تسهِّل عملية التوسُّع والهيمنة.. بسبب التجزئة والتفكيك. وعلى أي حال، فإن هذا المنطلق لا يختلف كثيراً عن رؤية توماس باراك – المبعوث الأمريكي لسوريا ولبنان – التي تتعامل مع دول الشرق الأوسط كمجموعة من القبائل والمذاهب والأديان والقوميات.
والملاحظة الثالثة.. هي أن الرؤية الإسرائيلية لا تتخذ من الانخراط في الاتفاقيات الإبراهيمية.. معياراً وحيداً لتشكيل المحور السداسي. فمن الواضح أن المحور المقترح، لا يضم جميع الدول العربية الموقعة للاتفاقيات الإبراهيمية. فهل هذا يعني تراجُع أهمية توسيع نطاق الانضمام للاتفاقيات الإبراهيمية.. بالنسبة لإسرائيل، في ظل ما يكتنف توسيعها من صعوبات؟ أم أن المحور المقترح مرشَّح للتوسيع.. بانضمام أطراف جديدة؛ على رأسها سوريا وربما لبنان، في مرحلة لاحقة؟
كلا الاحتمالين وارد وله شواهده.
الملاحظة الرابعة (والأخيرة).. هي أن كون أحد أغراض المحور السداسي، هو مواجهة المحور السنِّي بقيادة تركيا، فإن هذا يُنذر بتعميق الخلافات بين تركيا وبعض أطراف المحور الجديد، وتوريط هذه الأطراف في تكتل.. لا يخدم سوى المصلحة الإسرائيلية، ويثير مشاكل للقوى الكبرى.
… إذ لنا أن نتصوَّر التعقيدات التي يمكن أن يواجهها حلف شمال الأطلنطي، بانضمام أحد أعضائه للمحور السداسي.. الذي يدخل ضمن أهدافه مواجهة سياسات عضو آخر. بينما (الناتو) في غنى أصلاً عن أي مشاكل إضافية، منذ وصول دونالد ترامب إلى السلطة. وبالتالي فإن التحليل الموضوعي يصل بنا إلى أن مثل هذا المحور، لا يتمتع بفرص الاستمرار.. في حال تكوينه أصلاً. فهل هناك فرص أفضل أمام الرؤيتين الإيرانية والسعودية؟
هذا ما يجيب عنه مقال الأسبوع المقبل بإذن الله.
نقلاً عن «الأهرام»