زياد بهاء الدين
هل التمويل غير المصرفي، وإقبال أصحاب الدخول المتوسطة والمحدودة عليه.. ظاهرة سلبية تشكل خطراً على الاقتصاد القومي؟ أم دليل على نجاح سياسات الشمول المالي؟
… نقاش هام دار في هذا الشأن مؤخراً.. على شاشات التليفزيون، ثم انتقل لصفحات الجرائد والتواصل الاجتماعي، ومنها لساحة البرلمان. ونظراً لما أدلى به آخرون.. من آراء قيِّمة حول الموضوع، فسوف أكتفي بتوضيح بعض المفاهيم الرئيسية لغير المتخصصين.
ما الفارق بين التمويل المصرفي، وغير المصرفي؟
التمويل المصرفي.. هو النشاط الذي تقوم به البنوك؛ بجمع مدخرات الناس، ثم إعادة إقراضها.. لمن يرغب في ذلك من الأفراد والشركات. أما التمويل غير المصرفي.. فهو ما تقوم به شركات متنوعة؛ وأهمها التمويل الاستهلاكي، والتمويل متناهي الصغر، والتأجير التمويلي، والتمويل العقاري.
وهذه الأخيرة – بعكس البنوك – لا يجوز لها أن تجمع مدخرات الناس، بل تحصل على الأموال اللازمة لنشاطها.. من رأسمالها، أو الاقتراض من البنوك، أو إصدار الأوراق المالية.. التي يكتتب فيها الأفراد والشركات.
من يراقب نوعي التمويل المصرفي وغير المصرفي؟
بالنسبة للبنوك، فإن الرقيب عليها – منذ منتصف القرن الماضي – هو البنك المركزي المصري. أما المؤسسات المالية غير المصرفية.. فقد تطور وضعها في السنوات الأخيرة، إذ كان لدينا – حتى 2009 – ثلاث جهات رقابة مالية (بخلاف البنك المركزي)؛ هي: هيئة الرقابة على التأمين، وهيئة سوق المال، وهيئة الرقابة على التمويل العقاري.
وفي 2009، تم إنشاء هيئة الرقابة المالية.. التي دمجت تلك الهيئات الثلاث. وبذلك أصبح لدينا جهتان للرقابة على التمويل؛ البنك المركزي.. رقيباً على البنوك، وهيئة الرقابة المالية.. لكافة الأنشطة التمويلية الأخرى.
هذا النشاط بالذات.. أصبح منظماً، ومحل رقابة منذ ست سنوات فقط؛ بصدور القانون رقم 18 لسنة 2020، الذي أتاح للناس شراء السلع والخدمات «بالتقسيط»، لأغراض استهلاكية.. لا إنتاجية. وقد كان مقتصراً – في البداية – على تمويل السيارات، والسلع المعمرة، وخدمات التعليم، والصحة، والسفر. ومع الوقت، اتسع نطاقه تدريجياً.. ليشمل الأثاث المنزلي، والملابس، والمستلزمات الشخصية وكل ما يمكن استهلاكه، ولهذا شاع استخدامه بشكل واسع.
هل التمويل غير المصرفي يشكل خطراً على الاقتصاد؟ أم يدعم الشمول المالي؟
التوسع في مختلف أشكال التمويل.. ليس خطراً في حد ذاته، بل مطلوب.. لكي يتاح لكافة فئات المجتمع فرصة الاستثمار في الأنشطة الإنتاجية والتجارية، كما تتاح لهم القدرة على توفير متطلبات الحياة الاستهلاكية.. بنظام «التقسيط».. بدلاً من أن يُحرموا منها، أو يضطروا للجوء إلى مقرضين غير رسميين.. يطلبون شروطاً مجحفة، ويعتمدون على البلطجة لا القانون.
هذا هو «الشمول المالي».. الذي تبنَّته الدولة، كسياسة تنموية منذ سنوات عديدة، ويُعتبر أحد مؤشرات زيادة عمق وكفاءة النظام التمويلي.
إذن ما مصدر الخطر؟
الخطر يأتي من ضعف الرقابة على التمويل، وعدم الالتزام بالقواعد الائتمانية السليمة، بما يشجع الناس على التوسع في الاقتراض.. على نحو يتجاوز قدرتهم على السداد. وقد أصدرت هيئة الرقابة المالية بيانين إعلاميين، يوضحان دورها الرقابي، وعدد الشركات، ونسبة التعثر. والرجوع إليهما مطلوب.. لمن يريد متابعة الموضوع بشكل دقيق. وهذا لا يعني عدم تقييم مستوى وأدوات الرقابة، أو تحسين أدائها، بل التحسين والتطوير.. ضروريان دائماً، والتحذير – الذي أطلقه المعلقون على الموضوع مؤخراً – يجب أن يكون محل ترحيب وتقدير.. من منظور التقدُّم والتحوُّط للمستقبل، وليس بوصفه إقراراً بأزمة واقعة بالفعل.
وهل الموضوع يتعلق بالتمويل والرقابة فقط، أم أنه اقتصادي في الأساس؟
هنا مربط الفرس. التمويل.. ليس إلا جانباً من جوانب الأداء الاقتصادي بوجه عام. مشكلتنا في الاقتصاد الحقيقي؛ في ضعف الإنتاج، والغلاء، والدين العام، وعجز الموازنة، وضعف الادخار، وزيادة الفقر. كل هذا، يجد صدى في الجوانب المالية والنقدية. علينا الاهتمام بأي اقتراح.. لإحكام الرقابة على الأنشطة التمويلية، ولكن علينا الاهتمام أكثر.. بإخراج الاقتصاد الوطني من مشاكله الحالية.
نقلاً عن «المصري اليوم»