أحمد الجمال
مع الارتباط بالأرض في الغيط والحارة والزقاق.. كمرحلة تأسيسية للانتماء الوطني الشامل، تأتي اللغة التي تصاحب ذلك الارتباط منذ بدايته، عبر مناغاة الأمهات للأبناء الرضع، وما بعد ذلك حتى النضج.
وقبل أن أسترسل في شأن اللغة، ومكانتها في المرحلة التأسيسية – وهو موضوع مقال مقبل – أجدني إزاء ظاهرة فريدة.. تجعل المرء يوغل في حبه وعشقه لمصر المحروسة، والثبات على حقيقة أنها لم ولن تعقم، وأنها لا تضن بأمومتها وحضنها.. على الذين لم يولدوا فيها، ولم يحملوا جنسيتها، ولكنهم سعوا إليها عبر اللغة العربية واللهجة المصرية، فاستقبلتهم وأكرمتهم، ووضعتهم في مكانة رفيعة بالجامعة والمجامع العلمية، وكليهما قدس أقداس الوجدان والعقل المصريين.
ولقد توقفت أمام أسماء غير مصرية وغير عربية، اهتمت ودرست اللغة العربية، وتخصصت وبرعت في سبر أغوارها وكشف أسرارها، وكان أن استقبلتهم مصر وضمتهم إلى مجمع اللغة العربية وإلى هيئات التدريس بالجامعة، ومن هذه الأسماء يبرز جاك بيرك.. وهميلتون إلكسندر جب، وروبرت سرجنت ورودلف زلهايم وكارلو ألفونسو نلينو.. ولكل منهم حكاية أعتقد أن من واجبنا – ونحن بصدد الحديث دوماً عن بناء الإنسان ودور اللغة في ذلك – أن نقدمهم للأجيال الطالعة، ليعرفوا أن لوطنهم وللغتهم شأناً رفيعاً في الإنسانية.
ثم إنني توقفت طويلاً أيضاً عند أسماء مسيحية ويهودية عربية.. بذلت جهدها وتفوقت في المجال نفسه. وهم كثير بغير حصر، ومنهم الأب أنستاس ماري الكرملي.
وأذكر أنني – في مرحلة الدراسة الجامعية.. بقسم التاريخ في آداب عين شمس – كان يدعوني أستاذي.. المؤرخ الكبير أحمد عبدالرحيم مصطفى لزيارته دورياً في منزله، الذي هو شقة عادية في بناية بشارع راهبات الكرمليت.. بالقرب من دوران شبرا. وظل اسم الشارع ومعالمه في ذهني إلى الآن، رغم مرور أكثر من نصف قرن على ارتيادي له.
وقد عرفت أن القديسة تريزا «سانت تريزا» – التي لها كنيسة مشهورة في شارع شبرا – كانت تنتمي إلى الرهبنة الكرملية، ولطالما شاهدت وسمعت مصريين مسلمين.. يزورون سانت تريزا؛ ويتبركون بها، وينذرون لها النذور، وخاصة إشعال الشموع!
ولأنني من المعتقدين في أهمية أن يعرف المصريون مكونات ثقافتهم الحضارية – ومن أهمها المكون المسيحي، وفيه الرهبنة، التي بقي المصريون هم أول من أسسها في تاريخ المسيحية – فإن من الوارد أن أشير إلى أن رهبانية الكرملين.. تُعرف في الأصل باسم جماعة أخوة مريم العذراء المباركة.. في جبل الكرمل. ويعتبر النبي إيلياهو.. الأب الروحي لتلك الرهبنة، وهناك مصادر عديدة باللغة العربية عن تاريخ ونظام هذه الرهبنة.
أما أبونا أنستاس، فقد وُلد عام 1866 وتنيَّح عام 1947، وعُين في مجمع اللغة العربية بالقاهرة.. منذ إنشائه سنة 1933، وبقي في عضويته حتى رحل. ولنا أن نتأمل هذا الرجل.. الذي أجاد الفرنسية والآرامية والعبرية والحبشية والفارسية والتركية واليونانية واللاتينية والصابئية – إضافة للغته الأم العربية وتدريسه لها هي والفرنسية – حيث أسرته من قرية بحر صاف من بكفيا في لبنان، وانتقل أبوه إلى بغداد، حيث وُلد بطرس بن جبرائيل يوسف عواد؛ الذي ترهبن باسم أنستاس ماري الكرملي عام 1866، وتعلَّم في مدارس الرهبنة اليسوعية، وأصدر مجلة لغة العرب سنة 1911، ونفاه العثمانيون من بغداد إلى الأناضول، وعاد بعد المنفى ليُنتخب في مجمع المشرقيات الألماني سنة 1911، وفي المجمع العلمي العربي سنة 1920، ثم عُيِّن في مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ إنشائه سنة 1933..
نتأمل مؤلفاته ومنها: نشوء اللغة العربية ونموها واكتمالها، وكتب أغلاط اللغويين الأقدمين، والنقود العربية، وعلم النميّات، وأديان العرب، والفوز بالمراد في تاريخ بغداد.. وعديد غيرها. وأسهم أبونا أنستاس في كل أعمال مجمع اللغة بالقاهرة.. عند تأسيسه؛ وخاصة في لجان العلوم الطبيعية والكيميائية، ولجنة اللهجات، ولجنة الأصول العامة، ولجنة المصطلحات العسكرية.. وغيرها، ومن مقالاته وبحوثه – التي أُلقيت أو نُشرت في مجلة المجمع – تناظر العربية واليونانية، وتناظر العربية واللاتينية، ومعنى الصوت المجسد، والموسيقا، وموسيقى.
هذه هي مصر العظيمة، وهؤلاء بعض ممن عشقوها، وحققوا طموحاتهم الفكرية والعلمية فيها.. فهل…؟!
نقلاً عن «الأهرام»