Times of Egypt

التقرير الاستراتيجي العربي

M.Adam
نيفين مسعد

د. نيفين مسعد

مثَّل صدور العدد الأول من التقرير الاستراتيجي العربي – عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام في عام 1986 – تطوراً بالغ الأهمية على الصعيدين المصري والعربي.

فلقد مثَّل التقرير إطاراً لرصد وتحليل أهم التطورات المصرية والإقليمية والدولية، وسعى لاستشراف آفاقها المستقبلية، وبذلك سدَّ نقصاً واضحاً في المكتبة العربية.

ومنذ صدور التقرير، كانت هناك علاقة عضوية بينه وبين كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، إذ أمدَّته الكلية بعددٍ من أبرز أساتذتها وخريجيها. وامتدَّت هذه العلاقة العضوية إلى مناقشة التقرير بشكلٍ دوريٍ، في رحاب مركز البحوث والدراسات السياسية، وهو تقليد توقَّف لعدة سنوات.. قبل أن يستأنفه قسم العلوم السياسية في العام الماضي.

وفيما يخص ندوة هذا العام – التي انعقدت يوم الاثنين الماضي – وصادفت مرور 40 عاماً على صدور العدد الأول من التقرير، فإنها كالعادة.. كانت شديدة الغنى، وطرحت العديد من التساؤلات؛ بما يتفق مع حالة الاضطراب الشديد التي يمر بها العالم، غير أنني سوف أركز على الجلسة التي ناقشت ما ورد في التقرير.. تحت عنوان «النظام العربي والنظام الإقليمي»، لأنَّ ما يجري في هذه المنطقة من العالم، لن يكون له تأثير فقط على إعادة تشكيل توازنات القوى الإقليمية، وإنما سيؤثر أيضاً على توازنات القوى على الصعيد الدولي.

رأس الجلسة الدكتور أحمد يوسف أحمد – أستاذ العلاقات الدولية المرموق – وقام بتمثيل المركز اثنان من أبنائه البارزين من جيلين مختلفين؛ هما دكتور محمد السعيد إدريس، ودكتور محمد عباس ناجي. وتوليتُ النقاش.. مع زميلي الدكتور علي معوض المدرس بالكلية.

كانت القضية الأهم في هذه الجلسة، هي قضية ما أسماه التقرير «إشكاليات العلاقة بين النظامين العربي والشرق أوسطي»؛ فحول هذه القضية.. دار نقاش طويل وعميق. ويمكن القول إن غموض مفهوم الشرق الأوسط، قد انعكس على تناول التقرير له – من حيث علاقته بالنظام العربي – إذ جاء هذا الجزء من التقرير.. تحت عنوان «النظام العربي والإقليمي». ويعطي حرف «واو العطف».. في العنوان، انطباعاً بأن النظام العربي هو نظام غير إقليمي، بعكس الحال مع الشرق الأوسط. وهذا انطباع غير سليم؛ فكيف يمكن تأسيس نظام من الشرق الأوسط، في الوقت الذي لا يوجد اتفاق على حدوده – التي تتسع وتضيق، حسب مصالح القوى الدولية – وليست له مؤسساته ولا دستوره، فيما يتكوَّن مفهوم النظام الإقليمي من شق تفاعلي، وآخر مؤسسي ضعيف صحيح.. لكنه مستمر؟

ولذلك كان التقرير منطقياً.. حين وصف الشرق الأوسط في موضع آخر، بأنه «نظام تفاعلي افتراضي». وفيما يخص هذه التفاعلات، ذهب التقرير إلى أن «النظام الشرق أوسطي.. ليس مفهوماً جغرافياً محضاً، إنما يحمل في ثناياه علاقات الشعوب؛ لا سيما علاقات الشعب العربي.. في أقطاره المختلفة، وجواره الجغرافي من الأمم…». وفي الواقع فإن الشرق الأوسط – بحكم مسماه ومنذ اللحظة الأولى لظهوره – هو مصطلح جغرافي بامتياز، ظهر ليحدد موقعه بالنسبة لبريطانيا.. كإمبراطورية استعمارية مترامية الأطراف. وعندما يشير التقرير إلى وجود تفاعلات شعبية، فإن هذه التفاعلات ليست من طبيعة واحدة، وهي تتم في إطار دول – بشكل ثنائي، وليس بشكل جماعي – ضمن نظام إقليمي شرق أوسطي؛ حتى مع اعتباره نظاماً افتراضياً. فالعلاقات على المستوى الشعبي بين العرب وتركيا، ليست كالعلاقات بين العرب وإيران، وليست – بالتأكيد – كالعلاقات بين العرب وإسرائيل؛ فهناك اختلاف بين هذه الحالات الثلاث.. من حيث درجة الانفتاح والعمق والاستمرارية.. ما بين شعب وآخر، كما أن هناك اختلافاً في العلاقة بين نفس الدولتين.. من فترة لأخرى، ومن مجموعة سكانية لأخرى.

وعندما تطرَّق التقرير للعلاقات بين النظامين.. العربي والشرق أوسطي – على المستوى الرسمي – فإنه قام بتسكين هذه العلاقات في فئتين. في الفئة الأولى: جعل التقرير النظام العربي منقسماً ما بين «شرق أوسط مهاجم»؛ أي «تقوده إسرائيل، وتدعمه بعض القوى العربية، وبعض التكوينات الطائفية والمناطقية والجهوية الصغيرة»، ومدعوم من دول من خارج المنطقة.. هي أساساً الولايات المتحدة ثم الهند وإثيوبيا. وبين «شرق أوسط كامن»؛ أي «لم يعلن المقاومة، ولم يتبنَّ خط الراديكالية.. كما لم يعلن عداءه الصريح للمحور الشرق أوسطي-الإسرائيلي». وهنا يثور السؤال عن موضع دول عربية.. مثل الجزائر والعراق من هذين الشرق أوسطين، وعلى أيهما يُحسبان؛ هل على الشرق الأوسط المهاجم؟ أم على الشرق الأوسط الكامن؟ وهما اللتان تتخذان موقفاً صارماً ضد التطبيع مع إسرائيل. أم أن كلتا الدولتين تقعان خارج الشرق الأوسط.. بنوعيه المهاجم والكامن؟

في الفئة الثانية: جعل التقرير النظام العربي.. بمنزلة «مكون أساسي في النظام الشرق أوسطي»، أي أن النظام العربي.. عبارة عن نظام فرعي منبثق عن الشرق الأوسط. ومرة أخرى، يقودنا هذا التحليل إلى إشكالية غموض التحديد الجغرافي لمفهوم الشرق الأوسط. وذلك أن كل تعريفات الشرق الأوسط – على اختلافها – تُخرج من نطاقه دولاً عربية.. مثل السودان والصومال وجيبوتي وموريتانيا. فكيف يتفرَّع الأوسع – الذي يضم 22 دولة – من الأضيق.. الذي يضم 3 دول هي تركيا وإيران وإسرائيل؟. ومع كون الشرق الأوسط – وفق التقرير – له دور وظيفي.. يخدم مصالح القوى الكبرى.. وهذا صحيح. 

إلا أن التقرير يعتبر أن النظام العربي.. يمكن أن يصبح «قائداً للنظام الشرق أوسطي.. حال توحّد القدرات العربية». فكيف يمكن أن يحدث ذلك، بينما تتعارض القيادة العربية.. مع مصالح القوى المنشئة لمفهوم الشرق الأوسط، التي لا تعترف أصلاً بالعروبة.. كهوية للنظام الإقليمي العربي؟

لقد كان ثراء المادة العلمية، وتحليلاتها المتعمقة.. في العدد الجديد من التقرير الاستراتيجي العربي، المحرك الرئيسي لإثارة كل هذه التساؤلات. وهي ليست الوحيدة بالمناسبة، فقد دار نقاش مهم حول مستقبل مجلس التعاون الخليجي.. كتجمع فرعي منبثق عن النظام الإقليمي العربي؛ ما بين قائل إن أزمته مجرد أزمة عابرة. وبين قائل إن أزمته هي أزمة فارقة. 

ثم أتت التطورات اللاحقة على انعقاد الندوة – المرتبطة بانسحاب دولة الإمارات من منظمتي أوبك وأوابك – لتزيد في أهمية التفكير في هذا المستقبل. لذلك طالبَ الحضور بعقد حلقة نقاشية خاصة بين المركز والقسم.. لبحث التباسات العلاقة بين النظام الإقليمي العربي والشرق الأوسط، وليت هذا المطلب يتحقق.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة