Times of Egypt

من مشربية توماس

M.Adam
نيفين مسعد

نيفين مسعد 

عندما فكرت في مدخل لعرض كتاب توماس جورجسيان – الصادر عام 2025 عن دار الشروق، تحت عنوان «إنها مشربية حياتي- وأنا العاشق والمعشوق» – لم أجد أفضل من الجملة التي أوردها توماس.. نقلاً عن الكاتب الأرمني الأمريكي ويليام سارويان.. في وصف حال الأرمن: «إذا التقى اثنان منهم في أي مكان في العالم، فانظر لكي ترى كيف ستولد أرمينيا جديدة». 

المعنى المباشر لهذه الجملة، هو أن الأرمن شعب متعدد المواهب، وبالتالي.. فأينما وُجد أبناؤه، فإنهم يبرزون ويتألقون في طيف واسع جداً.. من المهن والحرف والثقافة والفنون، ولم لا في السياسة أيضاً؟ 

… هذا هو ما حدث مع هجرة الأرمن لمصر. وكتاب توماس مملوء بنماذج – لا أول لها ولا آخر – عن الجواهرجية والخياطين، والموسيقيين والفنانين التشكيليين والممثلين والمصورين، وتجار الجلود الأرمن.. الذين كانوا جزءاً أساسياً من نهضة مصر في النصف الأول من القرن العشرين، وهم الذين أهدوا مصر.. واحدة من أجمل فواكه الشتاء – وربما أجملها على الإطلاق – ثمرة اليوسفندي. 

لكن المعنى غير المباشر للجملة.. التي تقول إنه حيثما يلتقي أي اثنين من الأرمن فإنهما يصنعان أرمينيا جديدة، فهو أن الشعب الأرمني.. هو شعب معتدٌّ بهويته، ويمتلك إرادة مذهلة على تحمُّل الصدمات ومقاومة الفناء، وهذا النوع من الشعوب إنما جاء ليبقى. 

وهكذا، فعندما هاجر أبو توماس وجده وأخو جده إلى القاهرة.. هرباً من المذابح التركية ضد الأرمن في عشرينيات القرن الماضي، فإنهم فعلوا كما فعل كل الأرمن.. حملوا أرمينيتهم معهم. تحوَّل بيت الست روزيت (أم توماس) إلى أرمينيا صغيرة؛ حيث الصلاة والأغاني والكلام والحواديت كلها باللغة الأرمنية، ولأن للذاكرة البصرية دورها.. في تثبيت الهوية، فإن صورة أرمينيا على الحائط كانت ضرورية.. لربط هنا بهناك. 

وعندما يولد الطفل توماس سيتشبع تلقائياً.. بهذه المقدرة على الربط بين قاهريته وأرمينيته، أي بين هنا وهناك، تماماً كما فعل محمود درويش – الذي يُكِنُّ له توماس تقديراً خاصاً لأنه؛ كمثل معظم الفلسطينيين – حمل معه وطنه حيثما ذهب. وسيظل توماس مُصراً على التعبير عن ذكرياته.. بالفعل المضارع؛ تثبيتاً للجذور، وفي الوقت نفسه.. للربط بين الأماكن والأزمنة؛ يزور أرمينيا مُسلَّحاً بكلمات نجيب محفوظ، عن أن الحياة قادرة على أن تمسح في لحظة.. أحزاناً يعجز المحيط عن غسلها، وتتفتح شهيته على رائحة التقلية المصرية الشهية قبل صلاة الجمعة، وهو محاط بأفراد أسرته الأرمنية.. بعد أن تشعَّبت وتفرَّع عنها أكثر من جيل. إنه الأرمني المصري.. شديد الاعتزاز بثنائيته؛ حتى إذا وصفه أحدهم بالخواجة ردَّ عليه بخفة ظله المعهودة «ما خواجة إلا الشيطان». وفي الحقيقة، فإن الشخص الذي لا يعرف أصول توماس جورجسيان لا يمكن له أن يشك لحظة واحدة.. في كونه ابن بلد من الطراز الأول، وكل ما في الأمر أنه ملوَّن حبتين. وكم من عائلات مصرية – أباً عن جد – لأبنائها نفس ملامحه.

بطول 186، صفحة يأخذنا توماس جورجسيان.. لنمرَّ على أهم شوارع قاهرته، التي شكَّلت عقله ووجدانه، ومزجت في داخله بين هنا وهناك؛ شوارع حي شبرا.. حيث وُلد وتربَّى، ودخل الحضانة الأرمنية بشارع الترعة البولاقية، وتردَّد على نادي الشرق الأدنى.. بشارع الخزندار، والتقط له المصوِّر صورة ستة في تسعة في استوديو فوبيس، وزار الكنيسة، وكل مستودعات الأيام الخوالي والذكريات. 

وشبرا هي حاضنة ملائمة تماماً.. لفكرة الجمع والربط والتضفير، التي لا يستطيع معها أحد أن يدَّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ولا الاستئثار لنفسه بالوطنية الخالصة. ثم هناك شارع القصر العيني؛ حيث كلية الصيدلة.. التي دخلها في فترة كانت تموج فيها الجامعة بالصراع، بين جماعات إسلامية تستعرض قوتها، وتيار يساري يتصدى لها. 

في القصر العيني أيضاً، يوجد مقر مجلة روزاليوسف، التي أخذت من عُمر توماس سنين، ومن حواراته مع عمالقة الصحافة راقات. وعندما نمد خط شارع القصر العيني على استقامته، سنجده ينتهي بنا إلى منطقة وسط البلد.. التي تعلَّق بها قلب توماس وما يزال. ففي شارع عدلي، كان يوجد محل إصلاح الأحذية لجده من ناحية أمه، ومحل بابيك لأدوات التدخين.. الذي يمتلكه عمه، وفي شارع عبدالخالق ثروت كان يوجد بيت خالته، أما بيت خاله وجدته لأمِّه ففي شارع شامبليون. 

لكن حدود وسط البلد – في حياة توماس جورجسيان – أبعد كثيراً من ذلك، وتأثيرها أعمق كثيراً من ذلك؛ ففيها سينمات: راديو ومترو وميامي وريڤولي… إلخ، وقهوة بعجر، وكشري جحا، وميلفوي الأمريكين، وكازينوهات شارع عماد الدين. ثم إن وسط البلد.. هو المكان الذي سمح لتوماس أن يرتدي قبعتين، وأن يجمع بين نوعين آخرين من هنا وهناك؛ فمن ناحية ارتدى قبعة الصيدلي.. من خلال عمله بصيدلية مترو أثناء دراسته وبعد تخرجه، ومن خلالها كوَّن شبكة واسعة جداً من العلاقات.. مع زبائن جمعت بينهم روشتات الأطباء، وفرَّقت بينهم أشياء كثيرة. وكأرمني/مصري ملتزم، حرص توماس على توضيح أنه كان يدردش مع الزبائن.. في وقت الراحة، أو بعد انتهاء ساعات العمل، كي لا يتصور القارئ – لا سمح الله – أنه كان يلعب أثناء الشغل. 

ومن ناحية أخرى، ارتدى توماس قبعة الصحفي.. من خلال كتابته في جريدة الهوسابير (ومعنى اسمها «الآتي بالأمل») باللغة الأرمنية. ثم في مجلة صباح الخير باللغة العربية، وأعد رسالته للماچستير – في الجامعة الأمريكية بميدان التحرير – عن تأثير الأعمدة اليومية على الرأي العام.

وعندما نصل إلى هذه القبعة الثانية – التي استحلى توماس لبسها في البداية، ثم لم يعد يلبس سواها.. تاركاً عالَم الصيدلة، إلى بلاط صاحبة الجلالة – سيكون علينا أن نقف طويلاً أمام جريدة الأهرام في شارع الجلاء، حيث سيأخذنا توماس.. ليعرِّفنا على أسطوات المبنى أسطى أسطى، لنفهم منه أحد أسرار شطارته الصحفية: الاستماع للكبار.. للتعلُّم لا للنشر. لم يكن توماس ساذجاً كي يضحِّي بفرص الاستماع إلى توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس ويحيى حقي.. وكل عمالقة هذه الفترة، في مقابل أن يفوز بسبق صحفي حولهم، ومانشيتات مغرية بالبنط الكبير. بل هو استمع وهضم وتعلَّم. وعندما ذهب هؤلاء إلى خالقهم، وجاءت لحظة الكتابة عنهم؛ اختار بعناية ما يقال، وحجب ما لا ينبغي أن يقال.

إن السيرة الذاتية لتوماس جورجسيان.. من الغنى، بحيث يصعب جداً الإحاطة بها في مقال؛ ففيها تفاصيل كثيرة عن أسرته.. قبل زواجه وبعده، وعن الأرمن المصريين.. الذين أضافت «يان» – الموجودة في نهاية أسمائهم – لمصر.. بهجةً وغنىً، وتنوُّعاً ما أحلاهم. 

… في سيرته حواديت عن تنقلاته من القاهرة لأمريكا، فالدوحة ثم لأمريكا.. مرة أخرى. وفيها أيضاً – رغم اللُطف الملازم لكل صفحاتها – بعض مرارة التاريخ، التي يصعب أن يخطئها إحساس القارئ.

نقلاً عن «الشروق»

شارك هذه المقالة