أحمد الجمال
يحقق الشيطان الصهيوني تقدماً ملحوظاً في المخطط الذي عقد العزم على تنفيذه، وهو تفتيت المنطقة المحيطة بفلسطين المحتلة وتفكيكها، ليتحول التنوع والتعدد من مصدر للتماسك والقوة والفاعلية إلى منبع للتهالك والضعف والاقتتال والسلبية. ولطالما كتب كثيرون – كنت وما زلت من بينهم – عن ذلك المخطط، أصله وتفصيلاته ومراحله وخطواته ونتائجه وخطورته الرهيبة.. على وجودنا الحضاري والعضوي.
ومن أسف.. أن ما يفعله الشيطان الصهيوني، ومعه مناصروه في الخارج والداخل، يجد منفذاً إلى جهاز المناعة الوطني في كل دول المنطقة، ليزداد ضعفاً حتى يصل لمرحلة الانهيار، فيتحول الجسد الوطني إلى جثمان؛ حيث الجسد حي، له وظائف أعضاء، ومشتبك متفاعل مع محيطه الخارجي، وحيث الجثمان ميت، لا وظائف لأعضائه، مشتبك في داخله للتحلل والاندثار. ومن أسف أننا في الأسابيع الأخيرة، وخاصة منذ اشتعال الحرب الصهيو-أمريكية من جانب – الإيرانية على الجانب الآخر، وجدنا تأجيجاً لنيران فتنة الوقيعة بين السنة وبين الشيعة، ووجدنا بروزاً لاتجاه ما كان له أن يظهر.. في موطن الأرثوذكسية القبطية القويمة؛ الاتجاه الذي يعتبر ما يفعله الصهاينة وتحالفاتهم.. تحقيقاً لنبوءات مقدسة، وإثباتاً لصحة المعتقد.
وللأسف، فإن ذلك التأجيج – ومعه ذلك البروز – لا يفلتان فرصة – ولو كانت جملة عابرة – إلا ويوظفانها لخدمة ما يسعيان إليه، وعلى سبيل المثال استغل الجهلة المتعصبون طائفياً، ممن يزعمون أنهم متسلفون سنيون، عبارة وردت في دعاء خطيب في مسجد، وكان رجالات الدولة في مقدمة المصلين، وفيها دعا الخطيب.. وذكر اسم السيدة فاطمة الزهراء وأبيها – صلى الله عليه وسلم – وزوجها – كرم الله وجهه – وأبنائها – رضي الله عنهم – ومن فورهم علا صخبهم وضجيجهم، و«هاتك» يا بذاءة وسباب للخطيب وللدولة وللتشيع، ومضافاً إلى كل ذلك.. جهل طافح ينكر التوسل، وينكر مكانة آل البيت رضي الله عنهم وأرضاهم، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وهو أمر قُتل بحثاً، وقضية نوقشت وأُصلت وحُسمت، وحتى عند إمامهم ابن تيمية الحراني.. فإنه لم ينكر التوسل مطلقاً.
ثم إن الأمر الثاني.. وهو بروز اتجاه الربط بين ما يفعله الإجرام الصهيو-أمريكي، وبين صحيح العقيدة المسيحية ونبوءات الكتاب المقدس، فلطالما تمنيت أن لو كان قداسة البابا شنودة على قيد الحياة، وهو اللاهوتي الضليع.. الذي لم يتوان لحظة في تفنيد ذلك الانحراف العقيدي والرد عليه، وكانت له العبارة الشهيرة: «إن إسرائيل لم توجد بوعد إلهي، بل تأسست بناء على وعد بلفور عام 1917»، قالها مثلث الرحمات خلال فعاليات عديدة – منها اليوبيل الذهبي لتأسيس جامعة الدول العربية – بل إنه طالما رفض الاحتلال الإسرائيلي، ورفض الادعاء بأن اليهود.. شعب الله المختار حالياً، وقال إن الله غضب عليهم، ولا ينطبق عليهم الوعد القديم.
ومن قبل البابا شنودة.. كان القديس بولس الرسول – الذي يعلم جميع المؤمنين أنه كان يهودياً مخلصاً قبل أن يدخل نور المسيحية قلبه وعقله – وهو الذي جاء في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي: «..لأنكم تألمتم أنتم أيضاً من أهل عشيرتكم.. تلك الآلام عينها، كما هم أيضاً من اليهود الذين قتلوا الرب يسوع وأنبياءهم، واضطهدونا نحن وهم غير مرضين لله، وأضداد لجميع الناس، يمنعوننا عن أن نكلم الأمم.. لكي يخلصوا حتى يتمموا – أي اليهود – خطاياهم» رسالة بولس الرسول إلى أهل تسالونيكي: 2: 14-15-16.
وفي دائرة المعارف الكتابية، نجد في مادة «يهود» ما نصه: «والعهد الجديد يبين عداوة اليهود ليسوع المسيح، كما كان الإنجيل عثرة أمامهم. ومع أن الرسول بولس كان أصلاً يهودياً غيوراً.. إلا أنه وجد نفسه موضوعاً لاتهام اليهود وعداوتهم المرة. ونقرأ في سفر الرؤيا عن تجديف القائلين إنهم يهود.. بل هم مجمع الشيطان، فقد كانوا يؤدون عمل الشيطان المقاوم لله». ولعل من يقرأ ويتدبر سفر أعمال الرسل، وفيه آيات تفصل وقائع ما فعله اليهود بالرسول بولس، وما جرى في محاكمته ومطالبة اليهود للسلطات الرومانية بقتله؛ يدرك حجم المغالطة ولن أقول الخروج عن صحيح العقيدة، الذي يقع فيه أولئك الذين يرفعون أصواتهم الآن.. بأن العنف والقتل والدمار والإبادة الجماعية وحيازة القنابل النووية وغير ذلك مما يقوم به اليهود الصهاينة علناً – وببجاحة منقطعة النظير – لا يمت بصلة لله المحبة والرحمة والسماحة والمغفرة، ولا لكلمة الله وروح منه.. السيد المسيح، له المجد.
ولمن يريد أن يعرف تفاصيل ما جرى للرسول بولس على يد اليهود، فليرجع إلى العهد الجديد (سفر أعمال الرسل، الإصحاحات من السادس عشر إلى الثامن والعشرين)، الذي في خاتمته نقرأ ما كتب عن اليهود: «اذهب إلى هذا الشعب، وقل ستسمعون سمعاً ولا تفهمون، وستنظرون نظراً ولا تبصرون، لأن قلب هذا الشعب قد غلظ، وبآذانهم سمعوا ثقيلاً، وأعينهم أغمضوها لئلا يبصروا بأعينهم، ويسمعوا بآذانهم، ويفهموا بقلوبهم، ويرجعوا فأشفيهم» أعمال الرسل 28: 26- 27- 28.
نقلاً عن «الأهرام»