عبدالله عبدالسلام
في العامية السورية واللبنانية، تتكرر عبارة «جِسمُه لَبِيس».. بمعنى أنه رجل مُهيأ لتقبُّل وحمل أي خطأ، يرتكبه الآخرون. الحال، أن بعض المصريين يُطبقون هذه العبارة بحذافيرها على الإخوة الأقباط، شركاء الوطن والمصير، والإخوة السوريين المقيمين بيننا. في لحظات الاحتقان الاجتماعي التي نعيشها، ما إن تحدث مشكلة أو أزمة مجتمعية، حتى تجد من يخرج لإلصاق التهم بهاتين الفئتين.. دون أن تتضح أبعاد المشكلة، أو تكون لديه أية معلومات. أحدث تجلٍّ لهذا التصور، جاء مع إلقاء أكياس مياه على المصلين.. خلال صلاة عيد الفطر أمام أحد مساجد القاهرة.
بمجرد انتشار مقطع الفيديو، ودون انتظار لمعرفة التفاصيل، بدأ الجزم على السوشيال ميديا بأن الأسرة التي فعل أفرادها هذا العمل غير الأخلاقي.. سورية. وهناك من قال إنهم أقباط. تعليقات شديدة العنصرية والتعالي والتحريض.. رافقت البوستات. بعد التأكد رسمياً أن الأسرة مصرية مسلمة. لكن الاتهامات تواصلت.. دون إعارة الحقائق الجديدة أي اهتمام.
من المهم، الأخذ في الاعتبار السياقين الاجتماعي والاقتصادي، اللذين أثرا على ردود الفعل. هناك أفكار مسبقة راسخة في الأذهان، يتم استدعاؤها فور وقوع تلك الحوادث. البعض لجأ فوراً إلى خطاب الفتنة الطائفية، ومحاولة تعكير فرحة المسلمين بالعيد. جرى أيضاً اتهام السوريين، بعدم احترام تقاليد البلد المُضيف. تم استخدام ذلك ذريعة للمطالبة بترحيلهم من البلاد. إنه تفريغ الشحنات. المجتمع – الذي يعاني صعوبات معيشية – يبحث عن هدف سهل.. للتصويب عليه، وللتنفيس عن إحباطه.
الاتهام (غير الصحيح) لم يعد فردياً، أو يتعلق بأسرة معينة. جرى تعميمه على الإخوة الأقباط كلهم، أو السوريين بأكملهم. ظهرت نعرة «نحن.. وهم». أصبحت الحادثة علامة على عدم الانتماء، والاستعلاء على ثقافة وأسلوب حياة الأغلبية. تم تجريد الفئتين اللتين جرى إلصاق التهمة بهما، من إنسانيتهم وتحويلهم إلى أداة مؤامرة، أو رمز للشر.
مثل حوادث سابقة.. كان إلقاء أكياس المياه، بمثابة لحظة انفجر فيها المكبوت الاجتماعي لدى البعض.. الذين حاولوا إعادة تعريف العلاقة بينهم وبين مكونات المجتمع الأخرى، والوافدين السوريين.
الأخطر من ذلك، أن بعض تعليقات السوشيال ميديا، كان لدى أصحابها ما يسميه علماء النفس «انحياز يقيني». عقولهم ترفض، ولا تتصور.. أن يقوم مسلم مصري بهذا العمل. لذا عندما ظهرت الحقيقة، وتبين أن من فعلوا ذلك مصريون مسلمون.. من أسرة معروفة، واصل هؤلاء اتهاماتهم. لأن الاعتراف بأن الفاعل مصري مسلم، يُسقط حُججهم تماماً، ويسلبهم الشعور بـ«المظلومية المقدسة».. التي يحملون لواءها.
للأسف، نحن نعيش في عصر «ما بعد الحقيقة»؛ حيث المشاعر والمعتقدات الشخصية.. أكثر تأثيراً من الحقائق الموضوعية، التي وقعت ضحية لرغبة البعض في العثور على «مذنب مثالي»، وتلبيسه كل أخطاء وعورات المجتمع. هنا يأتي «تجار الترند» – الذين أعتقد أن جريمتهم تفوق جريمة من ألقوا أكياس المياه – إنهم يعملون على تحويل جريمة فردية.. إلى «تدنيس رمزي» لمعتقدات دينية، ويلصقونها بأبرياء. هؤلاء لم يدافعوا عن الصلاة.. باعتبارها ركناً دينياً، بل عن مجتمع خيالي.. يتصورون أنه يخصهم وحدهم. يعتقدون أن مصر ستكون مجتمعاً كامل الأوصاف – أخلاقياً واقتصادياً واجتماعياً – لو أنهم يعيشون وحدهم على أرضها.
نقلاً عن «المصري اليوم»