زاهي حواس
في عام 1988م، قام فريق بحثي من المعهد الألماني للآثار بمصر، تحت قيادة الراحل العظيم جونتر دراير.. بإعادة كشف مقبرة الملك العقرب الأول، التي تحمل الرمز U-J. ويعد هذا الكشف أحد أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين؛ ليس في مصر فقط ولكن في العالم كله! ولكن للأسف لم يأخذ الكشف على الرغم من أهميته، ما يستحقه من الدعاية والتعريف به وانحصرت النقاشات حوله بين مجتمع علماء المصريات بصفة خاصة وعلماء الآثار بشكل عام، وذلك على الرغم من أن الكشف يميط اللثام عن واحدة من أهم المقابر الملكية الخاصة.. بملك من الملوك الذين سبقوا عصر بداية الأسرات (الأسرتين الأولى والثانية) 3200 ق.م.
عثر على مقبرة العقرب الأول – في جبانة أم القعاب (الجعاب باللهجة المحلية، إشارة إلى ملايين قعاب الأواني الفخارية المهشمة والمتناثرة بالموقع) في أبيدوس – التي تحتوي على مقابر ملوك الأسرة الأولى ومقبرتا أخر ملكين من الأسرة الثانية. ولحسن الحظ لم تنل يد التدمير الخاصة بإميل أميلينو – أحد أسوأ من عملوا في الحفائر وكادت أعماله الفاشلة في 1880م أن تدمر أهم موقع أثري في مصر- من أن تدمر المقبرة، التي حفرها من بعده بشكل جزئي فلندرز بتري الملقب بـ أبو المصريات في 1899م. أما حفائر جونتر دراير.. فهي نموذج للحفائر العلمية المنظمة، التي بفضلها أعيد كتابة فصل مهم من التاريخ المصري القديم.
تؤرخ مقبرة الملك العقرب الأول بعام 3300 قبل الميلاد. وقد نسبت لملك تحت اسم العقرب، نظراً للعثور على نقوش ورسومات تمثل عقرباً على كثير من القطع الأثرية داخل المقبرة.. في المواضع التي اعتدنا أن تحمل اسم صاحب القطع الأثرية، وبالتالي صاحب المقبرة. وهذا دليل أثري كاف للكشف عن أن اسم صاحب المقبرة هو العقرب. أما لماذا يعرف بالعقرب الأول، فهذا للتمييز بينه وبين الملك العقرب الشهير.. صاحب المقمعة الشهيرة المحفوظة للأسف في متحف أشموليان التابع لجامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة.
تتميز مقبرة العقرب الأول بعمارة فريدة من نوعها؛ أولاً: هي أضخم وأفخم مقبرة بلا منازع من عصر ما قبل الأسرات، تتكون من 12 حجرة هائلة الحجم، بنيت من جدران سميكة من الطوب اللبن.. بدقة متناهية، لدرجة أنها استمرت لأكثر من 5300 سنة؟! وقد تم عمل الأسقف من الألواح الخشبية السميكة (براطيم خشبية). ويعد تصميم المقبرة.. هو الطراز الأب الذي تطورت منه المقبرة الملكية في العصور التالية، وصولاً لعصر بناة الأهرامات. وبذلك تعد مقبرة الملك العقرب.. هي النواة الأول للأهرامات المصرية.
وبداخل المقبرة، تم العثور على كنوز أثرية مذهلة بمعنى الكلمة.. تؤكد على ثراء صاحبها غير المحدود! فلقد تم العثور على أكثر من ألفين من الأواني الفخارية عالية الجودة؛ منها 700 إناء كانت تحتوي على ما يقدر ب4500 لتر من النبيذ! وبغض النظر عن أن ذلك هو أول وأقدم ظهور أثري مؤكد للنبيذ في العالم! فإن كثيراً من تلك الأواني كانت مستوردة من فلسطين، أما النبيذ فكان نبيذا محلي الصنع. ولا تتوقف المفاجآت عند ذلك الحد، بل إنه – بتحليل النبيذ – تأكد أنه كان لأكثر من نوع! منه ما تم مزجه بنوع خاص من لحاء الشجر، ومنه ما تم مزجه بشرائح من فاكهة التين.. ربما لإضافة نكهة خاصة أو للتحلية. معنى ذلك أن مصر في ذلك العصر كانت بها صناعات متطورة للغاية، ومنها صناعة النبيذ بنكهات مختلفة! ومن أهم ما تم العثور عليه بالمقبرة أيضاً، ذلك الكم الكبير من البطاقات الصغيرة – المصنوعة من العاج والتي تحمل أول نماذج الكتابة المصرية القديمة – تضمنت تلك البطاقات أسماء المنتجات وأماكن صناعتها أو زراعتها فيما يخص الحبوب المخزنة. والى يومنا هذا، تعد كتابات مقبرة الملك العقرب هي الجذر الأول للكتابة الهيروغليفية. ولكون المقبرة تعود إلى 3300 قبل الميلاد.. كما سبق وذكرنا، تصبح الحضارة المصرية القديمة أول حضارة إنسانية تعرف الكتابة، وأن المصري القديم هو أول من خط بالقلم بلا منازع.
لا تزال الدراسات الأثرية الخاصة بذلك الكشف مستمرة إلى يومنا هذا على الرغم من توقف أعمال الحفائر منذ سنوات وعلى الرغم من موت قائد هذا العمل العلمي العظيم – الراحل جونتر دراير – ففي عام 2022، أكدت الدراسات الأثرية أن كنوز مقبرة الملك العقرب تؤكد على وجود شبكة تجارة عابرة للحدود، تعد أول نموذج للتجارة العالمية بمفهومها الحديث الآن، وكانت مصر هي مركز التجارة العالمي في العالم القديم! ولا أعلم إلى متى ستظل مصر تدهشنا.. بمنجزاتها الحضارية التي سبقت الزمان بزمان!
بقي أن نشيد بذكرى هذا العالم الجليل – جونتر دراير- الذي مات في شهر مارس عام 2019، بعد عمر حافل بالإنجازات في حقل المصريات. فقد قدم دراير الكثير لعلم المصريات، واستطاع سد فجوة تاريخية كاملة بين عصور ما قبل التاريخ، وعصر بداية الأسرات.. فيما يعرف بالأسرة صفر، وبطلها الملك العقرب الأول.. الذي كان من أوائل الملوك الفراعنة العظام، الذين كافحوا من أجل توحيد مصر سياسياً، وإعلان أول دولة في تاريخ البشرية. خلد دراير اسمه بين عظماء الأثريين والباحثين، وكان يلقب بلا منازع بلقب العالم الصبور!
… كان دراير يقضي أياماً وشهوراً، يرمم ويجمع كسر فخار دقيق متهالك، أو قطع أثرية هشة.. بصبر عجيب لا ينفد، لكي ينقذ كل ما يمكن الحصول عليه من معلومات. وبعد وفاته، حملت أرملته السيدة إيزابيل بلوميد أعباء استكمال نشر أعماله العلمية.. عن جبانة أم القعاب، التي لم تكن قد نشرت قبل وفاته.
نقلاً عن «المصري اليوم«