سمير مرقص
ما إن انتهينا من عرض أهم الأفكار التي أبدعها العقل الإنساني في عام 2025، إذ بنا نجد ماكينة الإبداع تُنتج لنا – خلال أقل من ثلاثة أشهر من العام الجديد – أعمالاً فكرية فذة.
ويبدو لي أن المقولات الشائعة في ثقافتنا.. عن أنه لم تعد هناك أفكار كبرى وإبداعات لافتة، تدحضها تلك الإبداعات المتلاحقة التي تحملها لنا ريح الغرب والشرق الآسيوي، كل يوم على السواء، والتي تعكس قدرة نطلق عليها: «ديمومة التحول»؛ ونقصد بها القدرة على التعاطي مع الأزمات، ومن ثم القدرة على تجاوزها ما ييسر دوام، بدرجة أو أخرى، التقدم التنموي والتجدد الحضاري والإبداع الثقافي والتضاعف المعرفي.
وفي دراسة لنا – حول النموذج الحضاري ضمَّناها في كتابنا: أحلام فترة العزلة: «أفكار تفتح آفاق الأمل للإنسانية ومسارات للمواطنين نحو بدائل جديدة»، الذي أصدرته دار العين عام 2024؛ رصدنا فيها كيف أن «ديمومة التحول» لم تكن تكتسب حيويتها؛ إلا بسبب ما يمكن أن نطلق عليه: «فضيلة المراجعة الدائمة»، التي تتيح إنتاج مفاهيم وأفكار وتصورات وسياسات جديدة.
وظني أنه لم يعد ممكناً قراءة العالم المعاصر بالأدوات المفاهيمية ذاتها.. التي صاغت وعينا خلال العقود الماضية. فثمة تحولات عميقة.. تتجاوز حدود التقدم التكنولوجي أو التغيرات السياسية المباشرة، لتطاول البنية المعرفية ذاتها، التي نُدرك من خلالها الواقع ونُعرِّف مفاهيمه. ومن هنا تنبع الحاجة إلى مشروع فكري.. يتجاوز مجرد المتابعة أو التلخيص، نحو إعادة قراءة نقدية للإبداعات الجديدة، التي تشغل العقل الإنساني الغربي/الشرقي الآسيوي المعاصر، وفي الوقت ذاته.. مساءلة افتراضاتها الضمنية، وحدودها النظرية. لذا نسعى من خلال هذه السلسلة: «مراجعات وإبداعات»؛ إلى الاقتراب، قدر الإمكان، من أبرز ما يشغل الفكر العالمي اليوم.. من أعمال ذات طابع تجديدي، تمثل قطيعة معرفية مع كل ما عرفته الإنسانية سابقاً. كما تأخذ في الاعتبار التغيرات المجتمعية والتطورات التقنية، وأثر كل منهما على الآخر.
في هذا السياق، تأتي الحلقة الأولى من «مراجعات وإبداعات» لتتناول كتاب: الحاجة إلى إعادة تسمية/تعريف التكنولوجيا The Need to Rename Tech؛ الذي يتكون – إضافة للمقدمة والخلاصة – من خمسة أقسام؛ تتضمَّن خمسة عشر فصلاً/بحثاً، يطرح من خلالها نقداً عميقاً.. لا يكتفي بتفكيك التصورات الشائعة عن التكنولوجيا، بل يدعو إلى إعادة تسميتها ذاتها، باعتبار أن الاسم لم يعد يعكس حقيقة الدور الذي تؤديه في تشكيل الواقع الإنساني.
ومن ثم، فإن هذا الكتاب لا يمثل مجرد إضافة إلى أدبيات النقد التكنولوجي، بل يعكس لحظة معرفية فارقة، يصبح فيها تغيير المفاهيم شرطاً لفهم العالم، لا مجرد ترف نظري. ويتجاوز الكتاب حصرية تناول التكنولوجيا – من حيث آثارها واستخداماتها – إلى ما هو أعمق يتعلق باللغة.. التي نستخدمها لوصفها، وما إذا كانت هذه اللغة لا تزال صالحة، لفهم تحولات غير مسبوقة في طبيعتها ووظيفتها.
تستعرض محررتا الكتاب (متخصصتان في الإعلام واللغة والسياسة) – في المقدمة الأطروحة المركزية – فكرة جوهرية، مفادها أن اللغة ليست مجرد أداة وصف للتكنولوجيا، بل هي جزء بنيوي من نظام إنتاجها وهيمنتها؛ فالطريقة التي نسمِّي بها التقنيات الرقمية، والاستعارات التي نستخدمها لوصفها، لا تعكس واقعها.. بقدر ما تعيد تشكيل هذا الواقع، وتُخفي أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن ثم، فإن إعادة تسمية التكنولوجيا ليست تمريناً لغوياً، بل هي فعل نقدي.. يستهدف تفكيك علاقات القوة الكامنة فيها. بمعنى آخر، أصبحت مفردة التكنولوجيا – التي نتداولها يومياً في العديد من المناسبات – تحمل معنى/معاني غير مدركة، إذ لا تعكس ما طرأ على الواقع من مستجدات من جانب، كما أن التكنولوجيا الراهنة.. باتت تحمل معاني كامنة، وفق مصالح من يبتكرها ويطورها (أي حسب الكتاب)، صارت خادمة للرأسمالية Servant of Capitalism. وعليه، فإن إعادة التسمية ليست ترفاً لغوياً، بل ضرورة معرفية.
تتوزَّع الدراسات الخمس عشرة للكتاب.. على خمسة أقسام، حيث عنوان كل قسم يتكون من كلمة واحدة (مشطوب عليها.. دلالة على أن هناك جديداً قد طرأ على معناها وانعكاسها في الواقع، وهو ما تثبته الدراسات الخاصة بكل عنوان/قسم)، وذلك كما يلي: القسم الأول وعنوانه المعرفة: يؤكد الكتاب أسطورة حيادية التكنولوجيا، وأنها لم تعد مجرد أداة، بل صارت نظاماً معرفياً منحازاً. ما يفرض علينا التساؤل من ينتج المعرفة؟ ولصالح من؟ القسم الثاني وعنوانه التحسين: حيث تشير الدراسات إلى كيف أن التحسين الذي تقدمه البُنى الرقمية، يعيد إنتاج أنماط الهيمنة التاريخية.
أما القسم الثالث وعنوانه التنبؤ فيوضح كيف أن مفاهيم مثل: «التخييل Fabulation»، و«الصور الافتراضية Hypothetical Images»، تعيد تشكيل علاقتنا بالواقع والخيال، بحيث يصبح من الصعب التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مُنتج خوارزمياً؛ ما يعني أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة للتنبؤ، بل أصبحت آلية لإعادة إنتاج الواقع ذاته. القسم الرابع الإنقاذ: كيف أن التكنولوجيا قد حادت عما تم التبشير به.. كخلاص للإنسان؛ ما هو إلا وهم وزيف. إذ أصبحت خادمة لمنطق رأس المال. القسم الخامس الاجتماع الإنساني: حيث شرح الكتاب ما أحدثته التكنولوجيا الرقمية.. من إضعاف للمجال العام، كذلك إعادة تشكيل العمل في الاقتصاد الرقمي، حيث يتم تفتيت العمل إلى مهام صغيرة.
ويخلص الكتاب إلى أن التكنولوجيا.. لم تعد مفهوماً واحداً؛ بل حزمة من الدلالات المتشابكة: معرفية، واقتصادية، وسياسية، واجتماعية. ومن ثم فإن الإصرار على استخدام المصطلح بصيغته القديمة يحجب ما طرأ على المصطلح من تعقيدات.. ما يحجب عنا النظر إلى حقائق الحياة والمجتمع والعالم في الزمن الرقمي.
وبعد، يقدم لنا الكتاب إطاراً نقدياً متماسكاً يقوم على ثلاث ركائز؛ أولاً؛ تفكيك اللغة السائدة بوصفها أداة إيديولوجية. ثانياً: الكشف عن البنية المادية (الاقتصادية والعمالية والثقافية…) للتكنولوجيا. وثالثاً: الدعوة إلى ممارسة «عصيان لغوي».. عبر إعادة التسمية كأداة مقاومة معرفية، فبدلاً من القبول بالمصطلحات التي تنتجها الشركات، يدعو الكتاب إلى إنتاج تسميات بديلة، تكشف الوظائف الحقيقية للتكنولوجيا الراهنة.
هذه المقاربة تستند إلى تقليد نظري في دراسات اللغة، خاصة أعمال جورج لاكوف، التي تؤكد أن الاستعارات لا تشكل اللغة فقط، بل التفكير والسلوك أيضاً. وعليه، فإن تغيير اللغة يعني بالضرورة تغيير أفق الفهم وإمكانات الفعل.
نقلاً عن «الأهرام»