في الصباح الباكر من يوم الاثنين 23 مارس 2026 بتوقيت نيويورك، وبينما كانت أسواق المال تترقب تصعيدا عسكريا محتملا في الشرق الأوسط عقب تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضرب المنشآت النووية الإيرانية، رصدت أنظمة التداول ظاهرة غير مألوفة.
بين الساعة 6:49 و6:50 صباحاً، تبادل متداولون مجهولو الهوية نحو 6,200 عقد آجل على خامَي برنت وWTI في دقيقة واحدة بالضبط، بقيمة اسمية بلغت 580 مليون دولار، أي ما بين أربعة وستة أضعاف الحجم المعتاد في تلك الساعة من يوم كهذا.
بعدها بدقائق، شهدت عقود S&P 500 الآجلة في بورصة CME ارتفاعا حادا ومفاجئا في أحجام التداول خلال جلسة ما قبل السوق، التي تتسم عادة بالهدوء.
ثم، في الساعة 7:05 صباحا تحديدا، أي بعد نحو 16 دقيقة من تلك التداولات، نشر ترامب على منصته “تروث سوشال” رسالةً بأحرف كبيرة أعلن فيها أن الولايات المتحدة وإيران “أجرتا محادثات منتجة جدا” نحو “حل كامل وشامل للعداوات في الشرق الأوسط”، وأن وزارة الحرب تلقت تعليمات بتأجيل أي ضربات على المنشآت الإيرانية لمدة خمسة أيام.
النتيجة؟
قفزت عقود S&P 500 الآجلة بنحو 4% من أدنى مستوياتها، وانهار سعر خام برنت من 109 دولارات إلى 92 دولارا للبرميل، فيما سجل خام WTI 88.70 دولارا، أدنى مستوى له منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، فيما أضاف مؤشر داو جونز أكثر من 1,000 نقطة في دقائق معدودة.
الأرقام لا تكذب
وفقا لتقارير رصدتها وسائل إعلام متعددة، من بينها موقع “ذا ويك” الذي استند إلى بيانات بورصة CME وتقارير شركات التحليل المالي:
شراء ما قيمته 1.5 مليار دولار من عقود S&P 500 قبيل إعلان ترامب، 580 مليون دولار منها وجِهت في دقيقة واحدة نحو عقود النفط الخام
بيع ما قيمته 192 مليون دولار من عقود النفط في اتجاه انخفاض الأسعار في الوقت ذاته
يقدر محللون أن صفقة النفط وحدها كانت كفيلة بتحقيق أرباح تتجاوز 100 مليون دولار خلال 20 دقيقة
قبل أن نكمل، تعريفات بسيطة لبعض التعبيرات الاقتصادية
مؤشر S&P 500 يضم أكبر 500 شركة أمريكية مدرجة في البورصة، ويُعدّ المقياس الرئيسي لصحة الاقتصاد الأمريكي. ارتفاعه يعني نمواً، وهبوطه يعني تراجعاً.
العقود الآجلة اتفاقية بين طرفين لشراء أو بيع سلعة أو أصل مالي بسعر محدد في تاريخ مستقبلي. تُتيح للمتداولين الربح من توقّع ارتفاع الأسعار أو انخفاضها دون امتلاك الأصل الفعلي، وهو ما يجعلها أداةً مثالية للمراهنة السريعة على الأخبار.
“بوليماركت” و”كالشي” منصتا “أسواق التنبؤ” الأكبر عالمياً، تتيحان للمستخدمين المراهنة بالمال على نتائج أحداث مستقبلية: من انتخابات وحروب إلى هدنات وأسعار نفط. الفارق بينهما أن “كالشي” مرخّصة فيدرالياً في الولايات المتحدة، فيما تعمل “بوليماركت” من خارج أراضيها.
رد فعل الخبراء: “هذا غير طبيعي”
متداول في أحد صناديق التحوط الكبرى قال لصحيفة “فاينانشال تايمز” بشرط عدم الكشف عن هويته “حدسي بعد 25 عاماً من مراقبة الأسواق هو أن هذا غير طبيعي تماما. إنه يوم اثنين عادي، لا بيانات اقتصادية مهمة، لا تصريحات من الفيدرالي. ما جرى هو تداول ضخم بشكل غير مسبوق في يوم لا يحمل أي محفزات معروفة. شخص ما أصبح أثرى بكثير”.
من جهته، وصف ستيفن بيبغراس، شريك متخصص في تداول العقود الآجلة في شركة Troutman Pepper Locke القانونية، الارتفاعَ الهائل في أحجام التداول قبيل منشور ترامب بأنه “كاف تماما لإثارة الشكوك، وكاف أيضا لفتح تحقيق فيما وراءه”.
أما الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل بول كروغمان، فذهب أبعد من ذلك في مقال على منصة “سابستاك”، إذ كتب أن “استغلال معلومات سرية تتعلق بالأمن القومي، كخطط قصف دولة أخرى أو الامتناع عنه، لتحقيق الربح المالي، يستوجب توصيفا قانونيا أشد وطأة”.
وتساءل كروغمان عمّا إذا كانت احتمالية تحقيق أرباح من هذه المعلومات باتت تؤثّر في القرارات السياسية ذاتها.
إيران تنفي: “هذا خبر مزيف”
في أعقاب إعلان ترامب، أنكر مسؤولون إيرانيون علنا إجراء أي مفاوضات مع الإدارة الأمريكية. واتهم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ترامب بترويج “أخبار مزيفة” بهدف “التلاعب في الأسواق المالية وأسواق النفط”.
فضيحة داخل الفضيحة: عائلة ترامب ومنصات الرهان
تكتسب هذه القضية بعدا إضافيا حين يعلم أن ترامب يعتمد على هيئة تنظيم تداول السلع الآجلة (CFTC) لحماية منصات الرهان هذه وتنظيمها، في حين أن قرارات تلك الهيئة قد تعود بالنفع المالي المباشر على أفراد من عائلته. إذ استثمر نجله دونالد ترامب جونيور في “بوليماركت” عبر شركة رأس المال الاستثماري الخاصة به، فيما يشغل في الوقت ذاته منصب مستشار استراتيجي لـ”كالشي”.
نمط لا يمكن تجاهله
ما جرى يوم 23 مارس ليس حادثة معزولة. فقبيل الضربات الأمريكية على إيران، سجلت أكثر من 150 حسابا على “بوليماركت” رهانات غير اعتيادية تتوقع الهجوم الأمريكي. وبحسب تقرير نشره محقق متخصص في تحليل بيانات البلوكتشاين، تمكن متداول واحد من تحقيق ما يقارب مليون دولار من عشرات الرهانات الموقتة بدقة على المنصة ذاتها، بنسبة نجاح بلغت 93% على عمليات عسكرية أمريكية وإسرائيلية ضد إيران، وجميعها عمليات لم تعلن مسبقا.
ردود فعل تشريعية
كتب السيناتور الديمقراطي كريس مورفي عبر منصة إكس “من الذي قام بذلك؟ ترامب؟ أحد أفراد عائلته؟ موظف في البيت الأبيض؟ هذا فساد يبهر العقول”.
وتقدّم مورفي والنائب غريغ كاسار بمشروع قانون “BETS OFF” الذي يحظر إنشاء عقود رهان على “الإجراءات الحكومية والإرهاب والحرب والاغتيال، وعلى كل حدث يعلم أحد الأطراف نتيجته مسبقا أو يتحكم فيها”.
من يحقق؟
حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تصدر هيئة الأوراق المالية والبورصات (SEC) أي تعليق، ولم ترد هيئة تنظيم تداول السلع الآجلة (CFTC) على طلبات التعليق الموجهة إليها. ويرى عدد من المحللين القانونيين أن توجه ترامب نحو تخفيف الرقابة التنظيمية قد يعيق انطلاق أي تحقيق رسمي.
في المقابل، أعلنت كل من “بوليماركت” و”كالشي” عن إجراءات جديدة لمراقبة المتداولين وتحديث قواعد الاستخدام، في خطوة تبدو محاولةً استباقية لتفادي تدخل الكونغرس قبل أن يفرض قيودا أشد صرامة.