Times of Egypt

العدل أساس الفرن

M.Adam
وجيه وهبة 

وجيه وهبة

«مجلس العدل» هي إحدى مسرحيات «توفيق الحكيم» ذوات الفصل الواحد، يعتمد فيها – بأسلوبه الساخر – على «حكاية شعبية»؛ أبطالها قاضٍ وفرَّان، وبعض عوام الناس. نوجز بعضاً من طرائفها المناسبة للتسلية الرمضانية البريئة، بعيداً عن سيل تفاهة وعنف مسلسلات الشهر الكريم وبرامجه ورامز جلال.

أتى رجل بإوزة سمينة إلى الفرن.. ليحمرها. فلما استوت الإوزة، أكل الفران نصفها وأرسل بنصفها الآخر إلى القاضي. نصح القاضي الفران.. بأن يقول لصاحب الإوزة: إن أوزته قد طارت. ذهب الفران، ولكنه أتى بعد ساعةٍ، وخلفه جماعة من الناس يدفعون به إلى مجلس القاضي. حينما مثلوا أمام القاضي، اتهم صاحب الإوزة الفرَّان بسرقة إوزته، وادعاءه بأنها طارت، مع أنه قد رآه وهو يضعها في الفرن أمامه. أدار القاضي نقاشاً عبثياً مع صاحب الإوزة، وسأله: «هل أنت مؤمن بالله؟.. ألا تؤمن بقدرته.. ألا يستطيع أن يُحيي العظام وهي رميم؟!».. «إمَّا أنت مؤمن بالله وقدرته.. وإمَّا أنك كافر زنديق.. إذن، اعترِف أنه يستطيع أن يجعل إوزَّتك تطير من الفرن». ويجيب صاحب الإوزة: «يستطيع.. لكن يا سيدي القاضي، من يدفع لي ثمنها؟!.. هل يُرضي الله أن تطير إوزَّتي وأتضوَّر أنا وأهلي جوعاً؟!».

القاضي: «هذه مشكلتك أنت مع الله.. وليس مع هذا الفرَّان!».. «أتُطالِب الفرَّان بثمن الإوزَّة يا رجل.. كُن منطقيّاً.. مَن الذي أَطَارَ إوزَّتك؟.. الله أو الفرَّان؟!.. لا تلف ولا تدور!.. تكلَّم بالعقل.. هل الفرَّان له القدرة على أن يجعل إوزَّتك تطير بعد تحميرها في الفرن؟!». ثم يحكم القاضي على صاحب الإوزة بالغرامة لاتهامه الفران بالسرقة.

يتقدَّم رجل وزوجته، ويشكو للقاضي: «الفرَّان كان يتشاجر في الطريق.. يلطم هذا بيده، ويركل ذاك بقدمه.. فقلتُ له: «حاسب يا عم، معنا حريم»، فما كان منه إلَّا أن ضرب بقدمه بطن زوجتي فأسقط حملها».

وبعد مناقشة هزلية للشاكي، يقول القاضي: «إن العدل يقضي بأنَّ مَن أفرغ إناء عليه أن يملأه، وعلى الفرَّان أن يملأ ما أفرغه… والآن اذهبي معه أيَّتها المرأة ليضع لك حملاً بدل الذي أسقطه».

الزوج (صائحاً): «تذهب مع الفرَّان؟!».

الزوجة: «هذا مستحيل… مستحيل!».

الفرَّان: «اسمعي يا ست كلام العدل والإنصاف!».

الزوج: «اخرس!».

القاضي: «تُعارِض حكم المحكمة يا رجل؟!».

وهنا يفرض القاضي غرامة على الرجل لاعتراضه على أحكام القضاء.

يتقدم شيخ باكياً، مبيناً للقاضي أنه كان يصلي مع شقيقه الوحيد.. «فإذا بهَرْج ومَرْج قد اقترب من المسجد.. وإذا بجماعة من الناس تلاحق هذا الفرَّان.. أحدهم يقول: الإوزَّة!. وآخَر يصيح: عيني، عيني!.. وثالث يقول: زوجتي، زوجتي!.. وامرأة تُولوِل وتصرخ: بطني، بطني!.. وفلاح يزعق: حماري، حماري.. والكلُّ – ومعهم أهل الناحية – يجرون خلف الفرَّان.. إلى أن دخل المسجد..»، ثم يبين كيف أن الفران هرب من مطارديه، وصعد إلى المئذنة، فصعد الجمع في إثره، فقفز من فوق المئذنة فسقط فوق شقيقه، هذا الذي مات من فوره. ويسأله القاضي: «وشقيقك هذا.. لماذا اختار هذا الموضع بالذات ليُصلِّي فيه؟».

الشيخ: «قِسمته».

القاضي: «إذن هو ذنبه، وسوء تصرُّفه واختياره.. ومَن يضع نفسه موضع التهلُكة، فلا يلومنَّ إلا نفسه!»، ولأن العدل يقول رقبة برقبة، فعلى الفرَّان أن يسجد في موضع أخيك، وتصعد أنت إلى أعلى المئذنة وتُلقِي بنفسك منها على رقبته فتدقها!». رفض الفرَّان الحكم، فقد يخطئ الهدف، فيدق عنقه هو نفسه. وهنا حكم عليه القاضي بالغرامة لعدم احترام الحكم، فينصرف الشيخ في ذهول. وينادي القاضي: «غيره»، فلا يتقدم أحد.

القاضي: ما لكم خَرِستم؟!… ألا يوجد أحد آخر؟!

يشير الفرَّان إلى فلَّاح وحماره ويقول: «يوجد يا سيدي القاضي هذا الفلاح بحماره، يقول إنه كان وسط الناس راكباً حماره.. فلما اشتدَّ جَذْب الناس لي، وأردتُ الخلاص منهم، أمسكتُ بذيل حماره، وتشبَّثتُ به إلى أن انخلع في يدي، وصار أزعر!».

القاضي (يُنادي الفلاح) ويسأله: «ما الذي حدث؟!».

الفلَّاح: «لم يحدث شيء».

القاضي: «عجيبة!.. ألم يُمسِك هذا الفرَّان بذيل حمارك؟!».

الفلاح: «أبداً».

القاضي: «أليس حمارك أزعر؟!».

الفلاح: «خلقة ربه!».

القاضي: «من يوم ولادته؟».

الفلاح: «طول عمره بلا ذيل!».

القاضي: «وكيف يَنُشُّ الذباب عنه؟».

الفلاح: «أنا أَنُشُّ له».

القاضي: «ولماذا لا تُركِّب له بدل الذيل مِنشَّة؟!».

الفلاح: «فكرة!».

القاضي: «أنت رجل كذَّاب!».

الفلاح: «أنا يا جناب القاضي؟!».

القاضي: «أيُوجَد، يا رجل، حمار يُولَد أزعر؟!».

الفلاح: «ربنا قادر على كل شيء».

القاضي: «أسمعتَ أنه يخلق الحمار بلا ذيل؟!».

الفلاح: «كما سمعتُ أنه يجعل الإوزَّة المُحمَّرة تطير من الفرن!».

القاضي: «معقول!.. أقنعتَني!.. لعنة الله عليك!.. إذن، ليست لك شكوى ضد الفرَّان؟».

الفلاح: «لا أبداً… لا سمح الله!».

القاضي: «وماذا جئتَ تفعل هنا إذن؟».

الفلاح: «أتفرَّج».

القاضي: «تتفرَّج؟!.. تتفرَّج على ماذا؟».

الفلاح: «على الجلسة!».

القاضي: «قالوا لك إن العدالة فُرجة؟!.. وفُرجة بالمجان؟!.. حكمت عليك المحكمة بجنيه غرامة!».                  

الفلاح: «بشكوى، من غير شكوى.. العدل ملاحق الجميع!.. سلام عليكم!».

(ينصرف الجميع)

القاضي: «ما رأيك؟.. خلصتُك كالشعرة من العجين!».

الفرَّان: «والغرامات؟».

القاضي: «مفهوم؟!.. لك فيها نصيب!».

الفرَّان: «طبعاً.. نظير الاضطهاد العام الذي أصابني من جموع الناس!».

القاضي: «اطمئن!.. ستحصل على تعويضات سخيَّة!».

حوارات مسرح «توفيق الحكيم».. مفعمة بالسخرية والطرافة، والرمزية الماكرة أيضاً. وقد ظلت كتاباته بصفة عامة – منذ بدأ وحتى رحيلة – تتصف بتلك الروح المرحة، حتى حين يعرض لأكثر القضايا تعقيداً وحساسية.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة