عبدالله عبدالسلام
من المهم إدانة تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، التي قال فيها: «سيكون من الجيد سيطرة إسرائيل على مناطق شاسعة في الشرق الأوسط.. تمتد من النيل إلى الفرات». لكن الأهم التواصل الجماعي العربي مع الإدارة الأمريكية، لكي تحدد علناً موقفها مما قاله سفيرها. أما الأكثر أهمية، فهو معرفة خلفيات كلام القس المسيحي المعمداني هاكابي، الذي يؤمن به معظم أركان إدارة ترامب، وخاصة مبعوثيها المنتشرين في المنطقة. هاكابي – الذي حاول التراجع الجزئي عن تصريحاته – قائلاً إنها كانت نوعًا من المبالغة.. ليس وحده، وإن كان الأشد فجاجة. توم براك – السفير الأمريكي لدى تركيا، والمبعوث لدى سوريا ولبنان – يقول قصائد شعر في إسرائيل، وكلاماً عنصرياً ضد العرب والفلسطينيين. ستيف ويتكوف – المبعوث متعدد المناصب في المنطقة والعالم – لا يختلف كثيراً.
من يقرر السياسة الأمريكية الحالية بالمنطقة.. جماعة من المسيحيين الأمريكيين الإنجيليين، الذين يعتبرون إسرائيل ركيزة حضارة يهودية-مسيحية مشتركة. يعتقدون أن لديهم واجباً دينياً لدعمها. معظم أعضاء الجماعة من المحافظين المتشددين.. كبار السن، الذين بلغ نفوذهم ذروته في عهد جورج بوش الإبن بداية القرن الحالي، التحالف مع إسرائيل بالنسبة لهم.. رمز للسياسة الخارجية الأمريكية. وهم يؤمنون بأن لليهود حقاً إلهياً في معظم أراضي الشرق الأوسط. هاكابي – كما وصفه تاكر كارلسون المذيع الذي أجرى المقابلة معه، وصاحب النفوذ المؤثر في حركة «ماجا».. لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً – أكثر حرصاً على مصالح إسرائيل من أمريكا. وهكذا بقية المجموعة.
لكن في المقابل، هناك جيل جديد من المحافظين الذين يمثلهم كارلسون، يؤمنون بما يسمى «القومية المسيحية الأمريكية»، التي تسعى للانعزال عن العالم، ودمج الهوية الدينية بالهوية الوطنية، وفرض القيم المسيحية في الحياة العامة. هذا الجيل لديه وجهات نظر مختلفة بشأن إسرائيل. أفراده يثيرون تساؤلات كثيرة حول مدى منطقية دعم إسرائيل.. بينما مستويات المعيشة فيها – بحسب كارلسون – أفضل من أمريكا، كما أن العدوان على غزة.. شكك كثيراً في التصور الذي كان يرى إسرائيل دولة، تعيش تحت تهديد جيرانها. هناك نقاش حاد وخلافات علنية داخل الحزب الجمهوري وحركة (ماجا)، حول الموقف من إسرائيل. صموئيل جولدمان – أستاذ العلوم السياسية بجامعة فلوريدا – قال: «نقترب من نهاية حقبة.. كان التأييد في الحزب الجمهوري لإسرائيل هو الأصل. الآن هناك خلاف بين الأجيال حول إسرائيل». هاكابي (70 عاماً).. بما يمثله، مقابل كارلسون (56 عاماً) والأجيال الجديدة.
إلى أين سينتهى الخلاف؟. لا أحد يعرف. إلياهو شتيرن – أستاذ دراسات الأديان بجامعة ييل الأمريكية – يقول: «نحن في البداية وليس النهاية. الإدارة الحالية.. وصلت بالدعم والمساندة لإسرائيل إلى أقصى مدى. طالما ظل ترامب في السلطة، ستبقى الانتقادات لإسرائيل داخل تيار المحافظين.. هامشية التأثير. الجيل القديم – بقيادة ترامب – هو من يقرر. لكن ما إن يرحل ترامب وإدارته، ستنفجر مشاكل كثيرة داخل هذا التيار».
من الضرورى لنا – كمصريين وعرب – متابعة هذا الجدل والخلاف، ودراسة أسبابه بشكل مُعمق. تصريحات هاكابي فظة ومرفوضة، لكنها ليست طلقة في الهواء. وراءها تيارات سياسية ودينية، لا يجب أبداً تجاهلها.
نقلاً عن «المصري اليوم»