Times of Egypt

اعرف عدوك..

M.Adam
مصطفى حجازي 

 مصطفى حجازي

«الهاجاناه»، «الإرجون» و«شتيرن».. ثلاث عصابات من الهمج مغتصبي أرض فلسطين.. ومن رحم تلك الجوقة الإجرامية، نشأت كل السياسة وكل العسكرية للكيان الغاصب.. المسمَّى إسرائيل.

في عام 1920 تنشأ الهاجاناه.. كمبادرة من قيادات عمالية ومهاجرين قدامى، أبرزهم «ديفيد بن جوريون» و«يوسف ترومبلدور» و«إسحق ساديه»، لحماية الكيبوتسات. ما تلبث أن يحولها بن جوريون.. إلى منظمة سرية مركزية تابعة للوكالة الصهيونية.

يأتي عام 1931، لتنشق مجموعة من قادة «الهاجاناه».. مُشكِّلة عصابة «الإرجون» (أو «إتسيل») على يد «إبراهام تيخومي»؛ احتجاجاً على ما اعتبر خضوع الهاجاناه لإملاءات تعيق التوسع، وإيماناً بما يسمى الصهيونية التصحيحية لـ«زئيف جابوتنسكي» – صاحب نظرية الجدار الحديدي واعتماد القوة الغاشمة حيال العرب – ويذيع صيتها.. حينما تصبح أول من يعتمد الإرهاب المدني تكتيكاً؛ تُفَجِّر الأسواق العربية، وتنسف المرافق البريطانية، وترتكب المجازر في دير ياسين وغيرها. ويكون «مناحم بيجن».. هو رمز تلك الحالة الإجرامية الجديدة.

«صفقات وصفعات».. قانون عالم اللاقانون

لم يكد يأتي عام 1940.. حتى يتبدَّى الوجه الأقبح من جوقة الإجرام. وهي عصابة «شتيرن» أو «ليحي».. الأكثر دموية على الإطلاق.. تنشق مجموعة صغيرة أخرى عن «الإرجون» متهمة إياها بالضعف والتفريط.. تتخصَّص «شتيرن» في الاغتيالات السياسية؛ كقتل «اللورد موين» في القاهرة عام 1944، وقتل «الكونت برنادوت» في العام 1948، ويكون قائدها الأبرز وأحد أقبح الوجوه السياسية لاحقاً، هو «إسحق شامير».

ولنعرف مدى وحشية تلك العصابات، فلنُلقِ ضوءاً على مذبحة دير ياسين.. التي اقترفتها عصابتا «الإرجون» و«شتيرن»، اللتان لم يكتفوا بالقتل.. بل شوهوا الجثث، وبقروا بطون الحوامل، وطافوا بالناجين في شوارع القدس.. لإذلالهم. وذلك كله، للإمعان في إثبات أن «الغاية تبرر الوسيلة».. مهما كانت قذارة تلك الوسيلة.

لم تحتكم تلك الكيانات الإجرامية لعقل أو قانون.. شابت علاقاتها البينية خيانات، ومواجهات مسلحة.. ومن أشهر ظواهر تلك الدموية الدفينة، هو ما سُمي «موسم الصيد».. في عام 1944، حين قامت «الهاجاناه» – بأمر من بن جوريون – بملاحقة أعضاء «الإرجون».. وتسليمهم للسلطات البريطانية، واختطافهم وتعذيبهم.. لإجبارهم على الخضوع للقيادة المركزية. وفي ذات الوقت، كانت عصابة «شتيرن» تصفي أي يهودي.. يميل للتفاوض أو «الاعتدال».. لكونه خائناً.

الحري بالتأمل هنا والتوقف كثيراً.. هو كيف انتقلت تلك الحالة الإجرامية – التي رزحت أسماء القائمين عليها في قائمة الإرهاب الدولي وتصدرت وجوههم نشرات الملاحقة – إلى دولة مؤسسية..!

دولة أصل الولاية فيها.. لعقل السياسة على عضد القوة!!

كيف كان ذلك، ولحظة التأسيس.. جاءت مُحمَّلة بصراع إرادات ثلاث، كفيلة بإفناء مشروع تلك الدولة في مهده؟

بن جوريون – رجل الدولة الماكر – أراد جيشاً يخضع للسياسة المدنية، ومناحم بيجن – الثوري المتمرد – أراد جيشاً يفرض أجندته بالقوة، وأبراهام شتيرن – المتطرف العدمي – لم يكن ليعترف بأي سقف سياسي.

كيف استطاع «رجل الدولة» أن يُخضع «الثوري» و«المتطرف» لجوهر فكرة الدولة.. وهو ولاية السياسة على القوة وولاية الأهلية على ادعاءات الأحقية؟!

لم يُصَفِّ بن جوريون خصومة معنوياً ولا مادياً.. لم يفعل، وهو الأب المؤسس.. صاحب ادعاء السبق. والأهم، صاحب الكلمة الفصل في شأن القتل والحرب والسلاح.

لم يَعمَد بن جوريون – ذلك الوحشي الدموي – إلى محاولة إثبات شرعية سُلطته.. جَبراً أو قَسراً أو تغلباً. لم تُسكِرهُ شهوة القوة ضد شعبه، بل أبقاها وقود حقده على العرب، وعلى كل من خالف أحلام شعبه.. لا أحلامه هو.

آثر أن يُجبِرَ الفرقاء والخصوم ..على خلع رداء العصابة، وارتداء بدلة البرلمان. بدلاً من أن يَلِغ في دمائهم، وهو أحد أمراء الحرب.. ذوي الشوكة.

اقتنع – قبل أن يقنعهما – أن بقاء «إسرائيل».. أهم من بقاء «عصاباتهم»، وأن أحلامهم.. مختزنة في أحلام شعبهم، وقوتهم.. من قوة ذلك الشعب، لا عليه.

فهم، وأفهمهم.. أن الديمقراطية هي الطريقة الوحيدة، التي تضمن لهم ألا يقتل بعضهم البعض؛ في حرب أهلية، كانت تلوح في الأفق.. فوق ظهر السفينة ألتالينا.

استطاع بن جوريون (الإرهابي الأول) – في لحظة فارقة من التاريخ – أن يئد سلوك «أمراء الحرب».. لصالح سلوك رجال الدولة؛ فيعطي لمشروع دولته المغتصِبة شرعيةً، وروحاً، وصَكَّ بقاء.

استخدم بن جوريون لغة القوة مرة – واحدة وأخيرة – ليقوِّض لغة القوة.. وأنفذ منطق التغلب – مرة واحدة وأخيرة – ليُنهي منطق التغلب.. وتَمَثَّل ديكتاتورية اللحظة في لحظتها.. ليقتلع أية أوهام ديكتاتورية.

الحَريُّ بالتأمل.. بل والدهشة – مرة أخرى – كيف عرف هؤلاء المجرمون أن إحراز السلطة بسطوة التغلب والقوة.. لن يقيم لهم دولة، أو يُبقي لهم شوكة. وأن نجاتهم وبقاءهم – كما نجاة وبقاء مشروعهم الإجرامي – تكون بولاية العقل السياسي.. على قوة البطش.. مهما كانت فتنتها. وأن المساءلة والاحتساب – في شأن أي قصور مهما علا شأن مُحدِثُه – هما الوجاء الحافظ لهم.

كيف يُقر وجدانُ دموي.. كاره مغتصب، يقتات على الإجرام وخرق القانون.. في حق غيره. بأن الإذعان لتسيُّد القانون على حوزته هو، أسلم وأبقى..؟! كيف لمرتزقة اقتاتوا على الحرب.. أن يؤمنوا أن لا بقاء لهم ولا قدرة، إلا في ولاية السياسة المدنية.. على كل قرار حرب أو سلم حتى في دولة المرتزقة..؟!

لم يكن لعقل براجماتي صَفَقي – كالعقل الصهيوني – أن يقر بذلك، لولا أنه عرف وخبر ورأى.. كيف أذهب الاستبداد ريح العرب أعدائه، وبدَّد قوتهم، وأحالهم إلى همل غثاء.. كغثاء السيل.

وعى العقل الصهيوني أن العربَ عدوُ.. تلزم حربه وإزاحته وقتله، أو الهيمنة عليه وقهره، والتعايش معه.. ولكن وعى أكثر.. أن الاستبداد والفساد في حق مجتمعة وشعبه، هما العدو الذي لا سبيل للبقاء في كنفه. العدو الذي يلزم مجافاته واقتلاعه، وعدم القبول به.. تحت أية ذرائع.

كيف أحال رشد الحكم – وولاية العلم والعقل – عصابات.. إلى دُولٍ؟ وكيف أحال شبق السطوة – ومخاصمة العلم والعقل – دولاً.. إلى عصابات وشراذم؟ 

تلك هي المسألة أيها القارئ العزيز. يوم تسلك درب البحث فيها بجد.. حينها وحينها فقط، تَعرِف عدوك..!

فَكِّرُوا تَصحُوا..

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة