Times of Egypt

تعبير بسطاء المصريين عن الوحدة الوطنية في رمضان

M.Adam
عمار علي حسن

عمار علي حسن

مع انطلاق شهر رمضان في مصر، يتجدد الحديث عن قضية التعايش والتفاهم والتسامح بين المسلمين والمسيحيين، الذي يطمح كثيرون من المثقفين إلى أن يتقدم إلى انصهار وطني، عطفاً على أن قضية «الوحدة الوطنية».. هي العكاز الثاني للدولة والمجتمع في مصر، مع عكازها الأول.. وهو ضمان تدفق مياه النيل، فإذا كانت الثانية تعطينا عبارة «مصر هبة النيل».. التي نحتها المؤرخ الإغريقي هيرودوت، فالأولى يمكن أن تُصاغ.. على أن «مصر هبة الدين» أيضاً، اتكاء على الدور الذي لعبه الدين في مصر القديمة، ثم في الحقبة المسيحية، وبعدها الحقبة الإسلامية.. من أدوار في صناعة الهوية والقيم والطقوس والموروث الشعبي، بما جعل مصر – كما يقول نيوبري – «وثيقة من جلد رقيق، الإنجيل مكتوب فيها فوق هيرودوت، وفوق ذلك القرآن، وتحت الجميع لا تزال الكتابة القديمة تقرأ بوضوح وجلاء».

بعيداً عن تصورات المثقفين والنخبة السياسية، ينسج عموم المصريين قضية الوحدة الوطنية.. دون تعنت ولا عناء، ودون بحث عن تعبيرات ذات جرس قوي، ومصطلحات مستعارة من بطون المعاجم والقواميس. إنما بطريقة سلسة.. تتسلل وتتسرَّب إلى الحياة اليومية في يسر وسهولة.

جاء هذا إلى ذهني.. حين قرأت حواراً قبل شهر رمضان، جاء على النحو التالي: «رحت أشتري فانوس رمضان لقيته بألفين جنيه، فحمدت الله على أني مسيحي». هكذا كتب المصري هاني بخيت – على منصة إكس – فرد عليه سامي أبو تيرا: «يعني إيه مسيحي، ده مش عذر، ما إحنا بنجيب شجرة الكريسماس.. كل سنة والمصريين بخير»، رد بخيت: «رمضان كريم يا رب على كل المصريين»، وهنا تدخل ثالث يسمي نفسه «العزة لله» قائلاً لبخيت: «اتفضل، ابعت لي حد يكون في القاهرة، والفانوس هدية مني لك»، رد بخيت: «حبيبي، ربنا يكرمك، ورمضان كريم علينا جميعاً».

بالإضافة إلى هذا، وجدنا مسيحياً يذبح عجولاً في أسوان.. لإفطار صائمين في أول يوم من رمضان، وسنجد كنائس في أماكن عدة.. تجهز إفطاراً لمسلمين. ومن المؤكد، وكما جرت العادة، أن يهبط فقراء مسيحيون إلى موائد رحمن في بعض الأماكن. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي يتبادل مسلمون ومسيحيون كثر.. التهنئة بحلول أعياد كل منهم. وتغطي هذه الأصوات على صوت متطرف، موزَّع على الجانبين.. لا يكف عن بث الفرقة، لكنه لا يقدر على أن يغلب الأصوات النابعة من حس مشترك عميق، يضرب جذوره في التربة الاجتماعية المصرية.

إنهم عموم المصريين، حائط الصد الأول ضد كل من وما.. يسعى للإضرار بوحدتنا الوطنية، وتحويل كل ما يرتبط بها من ميزة.. إلى عبء. نعم تطرأ حوادث بين حين وآخر، تخلق احتقاناً في منطقة ما، قد يمتد ليشمل ربوع مصر.. في الأحداث الكبرى، لكنه لا ينزلق أبداً إلى فتنة، وهي سمة مهمة لا بد من الحفاظ عليها.

يقوم التعايش والتفاهم والتسامح بين المسلمين والمسيحيين في مصر على مبادئ وأسس لا يمكن إغفالها، يمكن ذكرها على النحو التالي:

1 ـ التجانس العرقي: ويمتد هذا التجانس من «البيولوجيا» إلى «السيكولوجيا» ليعزز التقارب النفسي بينهم. ويعبِّر الأنبا شنودة نفسه عن هذا الوضع بجلاء حين يقول: «وحدة مصر والمصريين من أسرار هذا البلد الخالد… هل هي الجغرافيا؟ هل هو الإنسان؟!… كم أصابنا من البلايا على مدى التاريخ، ولكن وحدتنا بقيت تقاوم الزمن. فلا خوف على مصر، ولا تشابه بينها وبين غيرها.

2 ـ هبة الجغرافيا: فالمسيحيون ينتشرون في كل قرى ومدن مصر تقريباً، ولا يقطنون منطقة جغرافية محددة، كما هي الحال بالنسبة للأكراد في كل من العراق وسوريا وتركيا وإيران. وهذا الأمر يجعل علاقات الوجه للوجه قائمة يومياً بين مسلمي مصر ومسيحييها، ويزيد من تشابك المصالح المتبادلة، ولا يجعل فكرة الانفصال قائمة أبداً، أو لها أي معنى، ومن ثم استقر في وعي الجماعة الوطنية برمتها أنه لا مناص من العيش المشترك، ونشأت حاجة ماسة إلى تحسين مستوى هذا العيش.

3 ـ التشرُّب الحضاري: فمصر الحاضر تتشرَّب كل طبقات الثقافات التي تراكمت عليها؛ هاضمة ما أتاها من الخارج، محتفظة في الوقت نفسه بكثير من أصالتها الأولى، لتبدو ـ كما يقول الفرنسي إدوارد لين ـ وثيقة من جلد رقيق، الإنجيل فيها مكتوب فوق هيرودوت، وفوقهما القرآن، وتحت الجميع لا تزال الكتابة القديمة تُقرأ بوضوح وجلاء.

وإذا كانت مصر الراهنة عربية الهوية والحضارة، فإن كثيراً من المثقفين المسيحيين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم «مسيحيون دينياً، لكنهم مسلمون ثقافة وحضارة»، وزاد من هذا التصور أن كثيراً من مُنظري «القومية العربية» الأوائل كانوا من المسيحيين، وهم إن انتقدوا «الخلافة الإسلامية» كنظام سياسي، فإنهم لم يستطيعوا أن يتجاوزا الإسلام كدين وحضارة لتلك البقعة الجغرافية من العالم.

4 ـ وحدة الموروث الشعبي: فالفلكلور المصري واحد، لا يفرق بين مسلم ومسيحي. فعادات الأفراح والأحزان متشابهة، وطقوس الموالد واحدة، والجميع يتفاعلون مع الأساطير الشعبية بالدرجة نفسها.

5 ـ علاقات السوق: فالمصالح التجارية الحياتية بين المسلمين والمسيحيين في مصر.. تفرض على الجانبين تعايشاً مستمراً. فالأفراد في خاتمة المطاف ينحازون إلى مصالحهم الشخصية، وقد يبتعدون عن الهموم العامة إن وجدوها تؤثر سلباً على أرزاقهم.. أو على الأقل يفصلون بين واجباتهم حيال المشكلة الكبرى، ومقتضيات مصالحهم الفردية. وفي القرون الفائتة استعان حكام مصر بمسيحيين في الإدارة والتجارة والري.. نظراً لخبرتهم في هذه النواحي، وتماهى هؤلاء في نظام الدولة ودافعوا عنه. وفي الوقت الحالي يستعين المسلمون بأهل الحرفة من المسيحيين، ويسعى المسيحيون من أصحاب التجارة إلى كسب ود المسلمين لأغلبيتهم العددية، التي تجعلهم القوة الشرائية الأساسية في البلاد.

6 ـ الخوف من عواقب الفتنة: فهذا الخوف يشكل كابحاً للطرفين.. من أن يتماديا في تصعيد أي خلاف طارئ ينشب بينهما، لأن استشراء الفتنة يعني إزهاق أرواح وتدمير ممتلكات، لا أحد بوسعه أن يعرف حجمها.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة