محمد أبو الغار
كتاب للصحفي محمد توفيق عن حكاية التعليم في مصر. الكتاب صدر حديثاً عن دار الشروق. يبدأ الكتاب بالمقولة الشهيرة: «إذا أردت أن تبني وطناً فعليك أن تبدأ بالتعليم». وبالرغم من ذلك، كان اهتمام الدولة بالتعليم في تاريخ مصر الحديث ضعيفاً، وأحياناً منعدماً. والكاتب يعتبر التعليم هو الشيء الذي يغير حياة الإنسان في عقله وشخصيته وقدرته على اتخاذ القرار بناء على تعليم جيد.
يعتقد الكاتب أن محمد علي، في أوائل القرن التاسع عشر، هو الذي بدأ يستثمر في التعليم الحديث، فأنشأ مدرسة الألسن، وبدأ التعليم في الهندسة والزراعة والطب. ويؤمن الكاتب بأن التعليم في مصر ضاع، والمتعلمين أصبحوا أنصاف متعلمين لا يستطيعون فعل شيء جيد.
يحكي الكاتب عن الذي قام بتزوير شهادات في عام 2019 لخمسة طلاب مقابل 50 ألف جنيه بدعوى أن لجنة التظلم قبلت تظلمهم ودخلوا كليات القمة، وبعد 3 سنوات اكتُشف التزوير وفُصل الطلبة من الكليات وعوقب المزور بعشر سنوات سجن.
ويؤرخ الكتاب للشهادة الابتدائية التي ظهرت في 1910، ويوثق عدداً من الناجحين في الثانوية العامة في أوائل القرن العشرين. وفي عام 1928 أصبحت الدراسة الثانوية خمس سنوات بدلاً من أربعة. وفي عام 1934 تم إعلان شهادة الثقافة بعد السنة الرابعة الثانوية والتوجيهية بعد السنة الخامسة. وفي عهد طه حسين – حين كان وزيراً للتعليم – كان الناجحون في الثانوية العامة 5157 في عام 1950، وأصبح للثانوية أهمية كبرى في حياة المصريين؛ حتى أطلق عادل إمام على لسان دسوقي أفندي «بلد بتاعة شهادات صحيح»، وفي الأعوام من 2015 زادت نسبة تزوير كافة الشهادات.
يحكي المؤلف عن مدرس جيولوجيا وعلوم بيئة.. قام باستئجار صالة حسن مصطفى لكرة اليد – التي تسع 4000 متفرج – ودخل الأستاذ ماجد ليُلقي دروسه الخاصة على هذا الجمع، وتكرَّر الأمر في صالات أخرى، وأصبح هناك «أسطورة الجيولوجيا» و«وحش الكيمياء» و«إمبراطور الفيزياء».
ويقول المؤلف إن المُدرِّسة الشابة نبوية موسى تم استدعاؤها لإعطاء درس خصوصي لبنات رئيس مجلس الشيوخ، فطلبت موافقة رئيس الوزراء كتابة، وهو ما تم. وفي ثلاثينيات القرن العشرين تم إنشاء مدارس ليلية، تعطي دروساً وتنافس مدرسي المنازل. وبعد 1952 صدرت قرارات ثورية بفصل المدرسين المتورطين في الدروس الخصوصية، وبالتدريج انخفض مستوى المدارس، وزادت الدروس الخصوصية. وقام فتحي سرور – وزير التعليم – بتقديم مشروع لعمل فيديوهات مجانية للطلاب.. للقضاء على الدروس الخصوصية وفشل المشروع. وبداية من 1933 انتشرت ظاهرة الحجز عند المدرسين قبل بدء الدراسة بشهور.
الكتب الخارجية ظهرت عام 1919، وانتشرت في الثلاثينيات بدور نشر متخصصة، منها دار نهضة مصر، وارتفع ثمن الكتاب الخارجي من قروش قليلة إلى 400 جنيه للكتاب حالياً، وهو ما قضى تماماً على كتاب الوزارة. وبدأت مشاكل الغش في الامتحانات العامة. في مايو 1978 قام ولي أمر تلميذ في الإعدادية بتسلق سور المدرسة في الشرقية، وخطف ورقة الأسئلة من تلميذ بجوار الشباك وجاء بعربة نصف نقل.. عليها ميكروفون، ومعه مدرس.. أجاب عن الأسئلة، وأذاع الأب الإجابات في الميكروفون، وتكرَّرت هذه الحادثة بطرق مختلفة. وانتشرت ظاهرة الغش بالقوة، وقد رصدها المؤلف بالأماكن والأسماء.
وفي بعض المناطق – كما يقول المؤلف – يقوم بعض أعضاء مجلس الشعب بالضغط.. حتى يتحقق الغش. ويتعرَّض المراقبون – الذين يمنعون الغش – إلى الضرب والإهانة.
وفي عام 1987 اعترفت وزارة التعليم بانتشار الغش الجماعي، وأصبح اقتحام لجان الامتحانات في الريف ظاهرة متكررة. وبدخول التليفون المحمول حدث تطور كبير في دخول التكنولوجيا في الغش. ثم انتقل الفساد إلى نقل أوراق الإجابة – بعد بدء الامتحان بنصف ساعة – إلى شقة بجوار المدرسة، ويُملي المدرس الإجابات، ثم تُنقل أوراق الإجابة إلى اللجنة، وذلك بعد دفع مبالغ ضخمة للمدرسين الذين ينظمون هذا الفساد.
وكانت الكارثة الكبرى عام 1960، حيث تم تسريب امتحان الثانوية العامة، وأذاعت إسرائيل الأسئلة على الهواء، فتم إلغاء الامتحان وتأجيله شهراً. واتضح أن موظف في المطبعة السرية.. هو الذي قام بالتسريب، وحُكم عليه بعشرة أعوام سجن. وتكرَّرت حوادث التسريب عدة مرات بعد ذلك.
وظهرت مشكلة جديدة عام 2014 عندما أصبح الامتحان متاحاً على الإنترنت.. على موقع معين، وتم إغلاقه والقبض على الذي قام بتسريب الامتحان ومحاكمته.
وفي عام 2024 تسربت نتيجة الثانوية العامة على الإنترنت بالكامل، وكان العدد 730 ألف طالب، وتجاهلت وزارة التعليم الأمر.
يتحدث الكاتب عن علي مبارك الذي وُلد في قرية في الدقهلية عام 1831 وكان الابن الثامن بعد ولادة سبع بنات. التحق بالكُتاب وحفظ القرآن، وفي هذا الوقت كان محمد علي قد فتح مدرسة لتجهيز التلاميذ للالتحاق بالمدارس العليا، فدخل المهندس خانة بعد تعثر، وسافر إلى فرنسا، وعاد شخصية مهمة.. حتى أصبح الأب الشرعي للتعليم الحديث في مصر.
في 19 أغسطس عام 1969 بلغ الأمن معلومة أن عدداً من الطلاب قرروا الانتحار، بإلقاء أنفسهم في النيل.. بعد رسوبهم في امتحان الثانوية العامة، ومات اثنان من الطلاب بعد أن ألقوا بأنفسهم من كوبري الجامعة وكوبري قصر النيل وأنقذ البوليس 35 طالباً آخرين.
مرَّ امتحان الثانوية العامة بمراحل، وانتهى بأن أصدر نظامه الحديث علي باشا مبارك عام 1887، عندما تولى نظارة المعارف، وتقدم 113 نجح منهم 55 فقط. وفي الفترة من 1888 حتى 1891 نجح في الثانوية العامة 300 طالب.
وفي عام 1938 أصدر طه حسين كتابه «مستقبل الثقافة في مصر»، وتحدَّث عن الامتحانات قائلاً «إن هناك مشكلة عسيرة إلى أبعد حدود العسر، سخيفة إلى أقصى غايات السخف، يتأثر بها تعليمنا كله على اختلاف أنواعه وألوانه أشد التأثر، فيفسد به أعظم الفساد، وهي لا تفسد التعليم وحده، ولكنها تفسد معه الأخلاق. تكاد تجعل بعض المصريين لبعض عدواً، وتكاد تجعل التعليم خطراً على النظام الاجتماعي نفسه، وهي مشكلة الامتحانات». شرح طه حسين مخاطر الامتحانات على الطفل الصغير والأسرة حين ترسل ابنها للتعليم تبغي تعليمه، ولكنها لا تفهم هذا التعليم إلا مقروناً بالامتحان. وقال طه حسين إن مواسم الامتحانات هي أهم المواسم في حياتنا، ثم قال «إن الامتحان شر لا بد منه، فلنتخفف من هذا الشر وما وجدنا إلى ذلك سبيلاً»، وطرح تصوره لنظام الامتحان.
في الأربعينيات من القرن العشرين، قدَّم نجيب الهلالي باشا – وزير المعارف – تقريراً صادماً وصادقاً عن التعليم في مصر، وقال إن جميع الدول الحرة تؤمن بأن التعليم الصحيح هو أساس كل شيء من مقومات الوجود الإنساني. وأنه إذا لم ينصلح التعليم، سوف ينهار كل شيء.. بدءاً من ضعف تعلم اللغات وضعف الثقافة والشخصية للخرِّيج وعجزه عن تكوين رأي مستقل.
وفي عام 2024 تم إلغاء بعض المواد وإدماج البعض الآخر، وكذلك تم تغيير نظام الثانوية العامة ربما للمرة العاشرة.
التعليم هو قاطرة المستقبل، ومصر من أكثر دول العالم إهمالاً للتعليم وأقلها إنفاقاً عليه بالنسبة للدخل القومي، بالرغم من أن الشعب يبيع ما يملك من أجل تعليم أولاده.
قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك.
نقلاً عن «الشروق»