Times of Egypt

معنى الحياة في ذكرى هيكل العاشرة

M.Adam
عبدالله السناوي 

عبدالله السناوي

«راضٍ بما أديتُ من دور في خدمة المهنة، وفي خدمة الوطن، وفي خدمة الأمة.. ثم إنني سعيد أن الظروف أتاحت أن أشارك وأعيش سنوات الإشراق في المشروع القومي العربي، الذي قاده ذلك الصديق الحبيب إلى قلبي والأثير عندي.. جمال عبدالناصر».

هكذا كتب حرفيا..ً في وصية أودعها أمانةً مغلقةً عند رفيقة حياته، تُفتح عند رحيله.

تلامس تلك العبارة، بمشاعرها وحقائقها، عمق اعتزازه بالأدوار التي لعبها في سنوات الإشراق والصعود القومي، التي أُهدرت مكاسبها الاجتماعية والاستراتيجية معاً.

بقدر تعدد أدواره المؤثرة اكتسب مكانته الاستثنائية.

فهو «أسطورة حية»، كما قالت «سارميللا بوز»، مديرة كلية الصحافة في جامعة أكسفورد، مأخوذةً بحضوره المشهد الافتتاحي عام (2007) لأول كلية تنتمي إلى صناعة الإعلام بأعرق الجامعات البريطانية.

وهو «رئيس تحرير أسطوري» كما دأبت الصحافة الإسرائيلية على وصفه، رغم كراهيتها العميقة لأدواره التي لعبها على مسارح السياسة في النصف الثاني من القرن الماضي.

وهو مؤرخ متمكن من أدواته.. في قراءة وثائق الصراع على المنطقة، التي لم تكن متاحةً لغيره؛ بحكم وجوده في قلب صناعة القرار.

ثم.. إسهاماته الجوهرية في صياغة نظرية الأمن القومي.

في اختبار الزمن تأكدت قيمته.

تبدو مقاطع الفيديو المختصرة – التي تنتشر بكثافة على شبكات التواصل الاجتماعي – لمقولاتٍ أدلى بها في محطات مختلفة من تجربته السياسية.. كأنها قيلت الآن!

المعنى ينطوي على وجهين.. الأول: أننا ما زلنا في نفس الموقع المأزوم، وأمننا القومي منكشفٌ بفداحةٍ أكبر.. وهذه مأساة كاملة لأمةٍ شبه عاجزة عن مواجهة تحدياتها الوجودية. والثاني: عمق نفاذ نظرته، التي أسسها على فهمٍ عميقٍ لحقائق الصراع على المنطقة.

«إن دولةً تقيم وجودها وتؤكد أمنها.. بالتضاد مع الجغرافيا والتاريخ، من الطبيعي أن تستحوذ أدوات القوة والعمل السري.. صدارة أولوياتها؛ وهي هنا الجيش الإسرائيلي والموساد وجهاز الأمن الداخلي».. كما قال وأكد دوماً.

«لقد عرضنا قضية فلسطين خطأً على الشعب المصري.. حين صوَّرناها له وكأنها تضامنٌ مع شعبٍ شقيق؛ فتلك ليست القضية الحقيقية، وإنما كانت القضية الحقيقية وصميم الموضوع هو الأمن المصري». كما حاول في الوقت نفسه أن يصوِّب زوايا النظر.

في اللقاء الأخير، بادرني بسؤال واحد: «قُل لي ما الذي يحدث؟».

جلست على مقعدٍ بجوار سريره أروي وأتحدَّث، وهو نصف ممددٍ، منتبهٌ للمعاني من وراء الأخبار، ولا يُخفي قلقه على مستقبل البلد ومصيره.

على مقربةٍ من سريره كتبٌ غربية صدرت حديثاً.. كان قد بدأ في قراءتها، وبعض الجرائد اليومية المصرية، وشاشة التليفزيون مفتوحة على محطة الـ«CNN» الأمريكية الإخبارية.

حتى لحظاته الأخيرة.. ظل مخلصاً لمهنته، التي لم يرَ لنفسه مهنةً سواها.

حاول أن يتحدث ويعلق ويحلل.. كما اعتاد على مدى حياته العامة الطويلة، غير أن المرض الشديد عانده بقسوة.

لم تكن قضيته المرض.. ولا شدته، فسجله طويل في تحمُّل الألم، وبعضه كـ«طعن الخناجر».

«أنا لا أُخفي سنِّي ولا مرضي».

إخفاء السن، كما إنكار المرض، انتقاصٌ من الكبرياء الإنساني أمام حقائق الطبيعة والحياة.

عندما كان يردد تلك العبارة، تصوَّر بعض أنصار نظام الرئيس الأسبق «حسني مبارك» أنه يعقد مقارنات معه.

لم يكن ذلك صحيحاً، فالقضية تتعلق بنظرته إلى معنى الحياة.

انتهت القصة كلها، عندما استشعر بعمق.. أن طاقته الإنسانية استُنزفت.. إلى حد يصعب معه أن يحيا بالأسلوب الذي انتهجه في العمل والإنتاج والتأثير، شاهداً وشريكاً في الأحداث والتحولات الكبرى التي شهدتها مصر منذ ثورة (1952) بجوار زعيمها «جمال عبدالناصر»، ومع خلفه «أنور السادات» حتى حرب أكتوبر (1973)، وما بعدها من انقلابات دراماتيكية في السياسات والتوجهات حتى (25) يناير (2011)، وما تلاها من انقلابات دراماتيكية أخرى كان شاهداً عليها ومؤثراً فيها.

معنى الحياة انتهى.. عند رجلٍ يدرك فلسفة الوجود الإنساني، وقيمة كل دقيقة.. في وضع بصمة، أو التأثير في حركة.

في خريف (2015)، صارحني أنه يريد أن يتوقف عن أي حضور عام.

قلت: «أرجوك ألا تفعل ذلك، طالما أعطاك الله الصحة والهمة فلا تتوقف».

سأل مرَّة أخرى: «لماذا؟».

قلت: «معنى الحياة».

ردد الجملة مرتين، ثم صمت.. كأنه في حوارٍ داخلي، لا شأن له بما حوله.

بنبرة حزن لافتة، قال في مرَّة سابقة: «ربما تلكأت على المسرح».

كانت العبارة قاسية.. من رجلٍ وهبه الله الهمة العالية إلى الثانية والتسعين من عمره.

ـ «لا تقُل ذلك مرَّة أخرى يا أستاذ هيكل».

«لا توجد أمة تحترم نفسها.. تسأل مواهبها الاستثنائية – عندما يتقدم بها العمر – أن ، وهي تستطيع أن تتكلم».

«الادعاء بأن للفكر عمراً.. هو الجهل بعينه، واستعجال الرحيل.. هو خروج عن كل قيمة إنسانية؛ فالله وحده.. هو الذي يعطي الهمة والعمر».

في ذكرى مرور أربعين يوماً على رحيله، اتصلت بقرينته السيدة «هدايت تيمور» معزياً، بعد أن زارت قبره للتو، قالت لي: «هل تعرف رأيه في علاقتكما؟».

قلت: «نعم».

ردت: «ليس كما أعرف أنا».

«إنها تحفة الزمان».

الخسارة الشخصية فادحة.. رغم مرور السنين.

الخسارة العامة أفدح، بقدر الحاجة الآن إلى نفاذ رؤيته.. على حافة «الحقبة الإسرائيلية»!

نقلاً عن «الشروق»

شارك هذه المقالة