زياد بهاء الدين
لن أشغلكم بتفاصيل كيفية حدوث ذلك، ولكن الأسبوع الماضي نجح «كروان مشاكل» وأصحابه – من مشاهير الـ«تيك توك» – في اقتحام حياتي بسلسلة من المشاهد الصادمة.. لفرح الأستاذ «مشاكل» على الآنسة «ياسمين«.
مشاهد الفرح صادمة، ليس فقط لما تضمنته من فوضى وزحمة، وعنف وتحرش وابتذال، وإنما لتدافع آلاف الشباب لالتقاط الصور مع مشاهير اللحظة، وعلى رأسهم «أندرتيكر»، و«شبيه العندليب»، و«محمد كشري»، و«شبيه جعفر العمدة»، وغيرهم.. ممن تهافت الحاضرون عليهم، وكأنهم نجوم الطرب، أو عظماء السياسة.
مشروع الزواج نفسه – على ما فهمت – لم يتم، بل انتهى بالقبض على عدد من الشباب.. بتُهم التحرش والبلطجة، وحرق سيارة «كروان»، وسرقة عشرات الهواتف المحمولة، وغلق قاعة الاحتفالات التي كانت أصلًا بلا ترخيص.
كثيرون غيري.. صُدموا من صور الفرح، وعبَّروا عن غضبهم مما اعتبروه انهيار الفن الراقي، والضياع الذي يعاني منه الشباب، واضطراب الهوية الثقافية، والتدهور الأخلاقى، وتسيُّب القوانين. ولكن هذه الأوصاف تعبِّر عن النتائج لا الأسباب، وتتجاهل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السائدة.
جانب من التدهور.. يرتبط بالمستوى المتواضع للغاية للتعليم المدرسي. وجانب آخر مصدره عزوف الشباب عن الإعلام الرسمي.. لعدم مصداقيته. وهناك انحسار للدور الثقافي للدولة، التي لا يبدو أن لها رسالة واضحة ولا أدوات مؤثرة. أما عن عدم احترام الهوية، فدعونا قبل أن نوجه أصابع الاتهام لثقافة «التيك توك».. أن نحترم لغتنا وهويتنا وثقافتنا، وأبسط مثال.. إعلانات الشوارع، التي باتت اللُّغة العربية ضيفاً ثقيلاً عليها.
أما على الجانب الاقتصادي، فإن العلاقة وثيقة بين اقتصادنا اليوم، وبين اندفاع الشباب وراء «مشاهير» هذا الزمان، الذين يُقدِّمون مثالاً للنجاح.. في تحقيق دخول ، من خلال نشر كلام فارغ في «التيك توك».. بمجهود محدود وتكلفة لا تُذكَر؛ وهي دخول لا يحلم بتحقيقها من يذاكر ويتفوَّق، ويعمل في وظيفة.. يتكبَّد معها مواصلاتٍ وتعباً ومصاريف.
هذه طبعاً ليست ظاهرة مصرية، بل أزمة عالمية.. وراءها شركات كبرى ومصالح عابرة للقارات وتمويل هائل. ولكن التعامل معها.. لا يكون بالندب والشجب والاستهزاء، ولا بوضع قيود وهمية وإصدار بيانات تحذيرية، وإنما بملء الفراغ الذي يعاني منه الشباب.. بما هو مختلف عن هذا الهراء، وما هو صالح ومفيد وجذاب أيضاً. على سبيل المثال، فإن هناك علاقة بين انشغال الشباب المتزايد بهذا العالم الوهمي.. الخاوي من كل قيمة، وبين ارتفاع أسعار تذاكر السينما، وغياب مساحات مفتوحة آمنة.. يمكن دخولها بلا مقابل، وخصخصة السواحل وضفاف النهر، وزيادة أسعار المقاهي، فلم تعد هناك فرص للترفيه.. سوى التسكع في الشوارع، أو الدوران في المولات، أو متابعة حياة نجوم التيك توك.
في كل الأحوال، فإنني سعيد باقتحام الأستاذ «مشاكل» لحياتي، ومساحتي الآمنة، لأنه وزملاءه.. فتحوا لي نافذة للتعرُّف على عالم مُزعِج وصادم، ولكن حقيقي وواقعي، ولا مجال لتجاهله، وللتفكير فيما يمكن عمله، بخلاف الاستسلام التام لهذا الانهيار.
مع خالص التهنئة بعيد الميلاد المجيد والدعاء لمصر وأهلها جميعاً، مسلمينَ ومسيحيينَ، بالسلامة والعيش الكريم.
نقلاً عن «المصري اليوم«