Times of Egypt

أبونا قنواتي والرهبنة المصرية

M.Adam
أحمد الجمال

أحمد الجمال

… بمناسبة الفرح بعيد الميلاد المجيد، أكتب عن الرهبنة.. التي أهدتها مصر للبشرية؛ إذ تنوع ما أكتبه في سنين سابقة، ليشمل ما يتصل بسيدتنا العذراء مريم الطاهرة وأسرتها، ومنها سيدنا زكريا وزوجته إليصابات وابنهما يحيى (أو يوحنا) – الذي اشتهر بـ «المعمدان» – وما يتصل بالأوضاع السياسية والاجتماعية في فلسطين.. تحت الحكم الروماني آنذاك. وما يتصل برحلة العائلة المقدسة إلى مصر، وغير ذلك. 

أما الرهبنة، فإنني ممن يعتبرونها من أبرز ما قدمته مصر للتراث المسيحي، ومن ثم للتراث الإنساني، أو كما قلت.. إنها إحدى هدايا المحروسة للبشرية، بعد هديتها الكبرى.. التي احتوت عقائد الحياة والموت، والبعث والحساب.. ثوابًا وعقابًا، والإيمان الذي محله القلب. وعندما اتجهت لجمع مادة هذه السطور، تعددت المصادر والمراجع، وانتعشت الذاكرة.. لأستحضر شخصية عظيمة، لا تزال باقية فيما تركته من إنتاج علمي وأدبي ولاهوتي، هو الأب الدكتور جورج شحاتة قنواتي – الراهب الدومينيكاني – صاحب الأفضال على الثقافة المصرية والعربية، وعلى مئات الباحثين والعلماء.

وكان أبونا قنواتي.. هو العقل والصدر، اللذين اتسعا لرعاية أولئك الساعين للمعرفة. ولأبينا جورج شحاتة قنواتي.. كتاب أراه فريدًا من نوعه، هو كتاب «المسيحية والحضارة العربية». وسأتعرض له بشيء من التفصيل، وأقتبس منه في هذا المقال. ووجدت أيضًا في مكتبتي مجلد «الرهبنة القبطية في عصر القديس أنبا مقار» والموسوعة الكتابية، وكتاب السنكسار، ومؤلفات الدكاترة الأجلاء إسحق عبيد، ورأفت عبدالحميد.. ومراجع أخرى عديدة. 

وربما لا يعرف كثيرون، أن الأب الدكتور جورج قنواتي.. مصري أصيل، وُلد بالإسكندرية في يونيو 1905 وتوفي في يناير 1994، وعمل صيدليًا وفي المعامل الكيميائية، وبعد خمس سنوات من عمله في مجال تخصصه العلمي، قرر أن يترهبن، وانضم إلى الآباء الدومينيكان في بلجيكا وفرنسا، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة، والدكتوراه في اللاهوت، واستقر في الدير بالقاهرة، ليستمر سنوات طويلة مصدر إشعاع لا ينطفئ. 

ولعلي هنا، أذكر أنني تشرفت باللقاء معه مرات.. أثناء حياته – بتوصية من أستاذي الراحل، شيخ المؤرخين، الدكتور أحمد عزت عبدالكريم – وتشرفت بالمشاركة في حفل تأبينه بجامعة القاهرة، وكان حاضرًا فطاحل رموز العلم، وفي مقدمتهم الراحل الكبير الدكتور سليمان حزين. وأذكر أنني ألقيت كلمة قصيرة.. قلت فيها إن الأب قنواتي لم يعرف تناقضًا بين لاهوته وناسوته، لأنه بقي يعتبر المجتمع الإنساني هو ناسوته.. الذي يجب أن يهتم به، ويقدم له كل ما لديه من علم وفكر. يقول الأب الدكتور جورج قنواتي – في كتابه عن المسيحية والحضارة العربية – إن تأسيس الرهبانية المصرية، يرجع إلى الآباء بولا، وأنطونيوس، وباخوميوس، ومكاريوس «مقار». وقد كتب القديس جيروم – عام 274 ميلادية – سيرة الأنبا بولا، أول المتوحدين، ويقول جيروم.. إن القديس أنطونيوس نفسه، تكلم عن الأنبا بولا، فقال إنه: في سن السادسة عشرة – وفي ظل اضطهاد الأباطرة الرومان – كان يتقن الخط القبطي واليوناني، ولكي يهرب من غرور الثراء وتجاربه، خرج – باختياره – ودخل في سفح أحد جبال العربة على البحر الأحمر، متسلحًا بالفقر والعوز.. ضد أهواء الجسد والعالم.

وظل الأنبا بولا متخفيًا عن العالم حتى سنة 341 ميلادية. وعلم أنطونيوس أن بولا على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، فأسرع إليه – بالرغم من تقدم عمره، إذ كان أنطونيوس حينئذ قد بلغ التسعين – ولم يصل إلا بعد وفاة بولا، فكفنه ودفنه. وكان عمره 113 سنة. أما القديس أنطونيوس، فهو – حسب الأب قنواتي، وحسب كل ما كتب عن التراث الرهباني – أول من أعطى السر الرهباني للعالم، وقد قص حياته البابا أثناسيوس الرسول، وأشار إلى أنه وُلد سنة 152 ميلادية في بلدة كوما (قمن العروس.. الآن)، وكانت نشأته في أسرة ثرية، وأحس بخطورة الغنى، وذاق راحة التنسك والفقر.. من أجل الله، وبعد تجربة صعبة كراهبٍ متوحد، وتنقل من صحراء إلى صحراء، ومن جبل إلى جبل، إلى أن بلغ عمره 35 سنة (عام 285 ميلادية)، اتجه إلى سلاسل جبال العربة.. على البحر الأحمر. لكنه توقف عند قلعة قديمة في صدر الصحراء وسكنها، وكانت في منطقة بسبير (مكان دير الميمون الآن)، عند منتصف المسافة بين أطفيح وبني سويف، وعاش في نسك شديد عشرين سنة، حدث خلالها التجاء جموع من أحبائه ومريديه.. إلى مكانه، وسكنوا حوله، وعاشوا عيشته، متمسكين بنسكه، وبعد إلحاح شديد منهم، وبعد مدة طويلة؛ أذعن لمطلبهم أن يراعيهم، وكان ذلك سنة 305 ميلادية، وكان هذا تاريخ أول نشأة رهبانية في مصر رسميًا.

ومنذ ذلك الحين بدأت الصحراء تتقبل أفواج الحجاج، وملأ الرهبان الصحراء بصورة مكثفة، وأخذ القديس أنطونيوس يتنقل دائمًا.. بين جماعات أولاده الروحيين. وعلى هذا المنوال تكوّن أول نموذج للنظام الرهباني القبطي، وظهر مع القديس أنطونيوس نظام المعيشة المشتركة، الذي يسمى «حياة الكينوبيون»، وكما كان القديس بولا أول الرهبان المتوحدين، كان القديس أنطونيوس أول أب لأول «كينوبيون»، أي تجمع رهباني. ومؤكد أن تفاصيل نشأة ومسار الرهبنة طويلة، من الصعب تلخيصها في مقال.

عيد ميلاد مجيد ومتجدد لأهل مصر جميعًا.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة