زاهي حواس
بدأ بيير مونتيه – عالِم المصريات الفرنسي – حفائره في منطقة «تانيس» الأثرية.. المعروفة باسم صان الحجر، بمحافظة الشرقية في عام 1929م. كان مونتيه يبلغ من العمر 44 عاماً في ذلك الوقت، ولم يكن قد حقق أي اكتشافات أثرية.. من النوع الذي يخلد اسم صاحبه ويحقق له الشهرة، حتى وإن كانت بين مجتمع الأثريين وعلماء المصريات، وذلك على الرغم من أنه كان قد عمل بالحفائر في منطقة «جبيل» بلبنان.. قبل أن يبدأ حفائر تانيس.
عاش بيير مونتيه حياته كلها وهو يعتقد أن تانيس هي العاصمة بي-رعمسو (مسكن رمسيس)، التي بناها الملك العظيم رمسيس الثاني! وفي الحقيقة، فإن عدداً لا بأس به من علماء المصريات.. كانوا أيضاً يعتقدون ذلك، إلى أن أثبتت الاكتشافات الأثرية الحديثة.. أن عاصمة الملك رمسيس الثاني – التي شيّدها – كانت تبعد عدة كيلومترات عن صان الحجر، وتحديداً في مكان يسمى «الختاعنة»، بالقرب من قنطير، موضع عاصمة الهكسوس. وما حدث هو أنه خلال عصر الأسرتين الحادية والعشرين والثانية والعشرين كان أحد أفرع نهر النيل قد حوّل مجراه، وأدّى إلى تدمير ميناء عاصمة الملك رمسيس الثاني، ولم يجد ملوك الأسرتين سوى نقلها إلى موضع جديد.. كحل لهذه المشكلة. وبالفعل، قاموا بتفكيك المباني والمعابد الحجرية ونقلها إلى صان الحجر، وهذا هو السبب في الكشف عن ذلك العدد الكبير من المسلات والتماثيل.. التي نحتت للملك العظيم رمسيس الثاني بها.
نعود إلى الأثري الفرنسي وقصته الشيقة مع تانيس، وقد مرت عشرة مواسم من الحفائر في تانيس.. دون نتائج مهمة، حتى بات الجميع متأكدين من قرب إنهاء العمل في تانيس. وهنا تحدث المفاجأة المذهلة.. التي يتمناها كل أثري؛ ففي شهر مارس من عام 1939م يكشف بيير مونتيه عن مقبرة الملك شيشنق الثاني – أحد ملوك الأسرة 22 – الذي لا توجد معلومات مؤكدة عن فترة حكمه؛ سواء بدايتها أو نهايتها. في البداية لم يصدق مونتيه نفسه، وأنه أخيراً وقع على كشف أثري سيخلد اسمه في التاريخ! ولكن ما إن رأى بعينيه التابوت الفضي المطعّم بالذهب.. للملك، برأس الصقر حورس.. حتى أصابته حالة غريبة من الرعب والشك والريبة، وبدأ يتصرّف بشكل غير طبيعي.. لا يتناسب مع الكشف وقيمته. قام بيير مونتيه على الفور بإغلاق المقبرة، ودفن مدخلها تحت تلال من الرديم والحجارة الثقيلة.. خوفاً من هجوم اللصوص. وقام بالسفر إلى القاهرة، ليطلب حماية رسمية من الحكومة المصرية؛ بمعنى أنه تقدّم بطلب فرقة من البوليس المصري.. لحمايته الشخصية، وحماية الكشف من اللصوص!
عبّر بيير مونتيه عن تلك اللحظة.. في مقدمة المجلد الأول الذي نشر فيه نتائج حفائره، بأنه: بمجرد رؤية تابوت الملك شيشنق الثاني الفضي.. برأس الصقر حورس، والكنوز النادرة بالمقبرة، أيقن أن هناك خطورة على الكشف.. من اللصوص ومجانين الذهب.. كما وصفهم، ولذلك – نتيجة خوفه – خطط للتكتم على أخبار الكشف، وعدم تسريبه للصحافة. وبالطبع هذا الكلام غريب، حيث إن بيير مونتيه وبعثته.. كانوا يستخدمون عمال الحفائر، وهؤلاء ينقلون كل تفاصيل العمل، وما مر بهم في يومهم.. بمجرد عودتهم إلى القرية القريبة من موقع الحفائر؛ حيث لا شيء يتسامرون به في المساء – وهم يحتسون الشاي – سوى أخبار الحفائر. المهم استطاع بيير مونتيه لفت نظر المسؤولين المصريين.. إلى وجود كشف أثري مذهل، بعد مرور حوالي 17 عاماً على الكشف عن مقبرة الفرعون الذهبي توت عنخ آمون، حتى إنه يقال إن الملك فاروق – ملك مصر والسودان في ذلك الوقت – قام بزيارة الكشف في زيارة غير معلنة.
لقد كانت هناك أكثر من مفاجأة.. في انتظار بيير مونتيه؛ الأولى: أن كشف مقبرة الملك شيشنق الثاني كان مجرد البداية، وأنه سيتمكن من الكشف عن عدد من مقابر ملوك الأسرتين 21 و22.. أو ما ُيعرف بعصر الانتقال الثالث، وأهم تلك المقابر مقبرة بسوسنس الأول، والتي تزخر بعدد ضخم من الكنوز الذهبية. والمفاجأة الثانية: أن أخبار الحرب العالمية الثانية ستشغل ليس فقط الصحفيين، بل الناس في كل مكان، بحيث لن يكون هناك مجال للحديث عن أي اكتشافات أثرية مهمة!، وبذلك يظل واحد من أعظم الاكتشافات الأثرية.. التي تتفوق على كشف مقبرة توت عنخ آمون مجهولاً، وغير معروف للعامة.
أما المفاجأة الثالثة: التي كانت تنتظر بيير مونتيه، فهي العثور على تابوت ملكي من حجر الجرانيت الوردي.. بدون نقوش، في إحدى الحجرات الجانبية لمقبرة الملك أوسركون الثاني. ويظل هذا التابوت لغزاً لما يقرب من 86 سنة، حتى شهر أكتوبر الماضي.. عندما أعلنت البعثة الفرنسية المصرية المشتركة عن الكشف عن 225 تمثالاً صغيراً من الفيانس الأخضر، تعرف باسم تماثيل الشوابتي في أرضية الحجرة الجانبية، وبجوار التابوت مجهول النسب، وقد نُقش اسم صاحب تلك التماثيل الجنائزية عليها، وهو الملك شيشنق الثالث.
نعم، لقد تم حلّ لغز صاحب التابوت المجهول. ولكن ظهر لغز جديد، وهو لماذا يتم دفن ملك مثل شيشنق الثالث.. في مقبرة سلفه على العرش، وليس في المقبرة التي أعدها هو لنفسه؟! هل كانت الاضطرابات السياسية في عصره – التي وصلت إلى اندلاع الحرب الأهلية في البلاد شمالها ضد جنوبها – السبب في دفنه بتلك الطريقة المهينة.. وضد وصيته، أم أن مقبرته تعرّضت لهجوم من لصوص المقابر، فدفع إلى نقل متاعه الجنائزي إلى مقبرة أخرى آمنة؟.
هذا ما ستكشف عنه الأيام أو السنوات القادمة، وتلك متعة البحث الأثري العلمي.
نقلاً عن «المصري اليوم»