نيفين مسعد
يوجد بيننا قوم محظوظون.. ينتبهون إلى أن في داخلهم شغفاً يميّزهم، ويسعون لإشباعه. وهذا الشغف، قد يكون ولعاً بالموسيقى أو الكتابة أو التفصيل أو الديكور، وقد يكون ولعاً بإصلاح الآلات – كمثل ولع فؤاد المهندس (أو سبعاوي في فيلم «عائلة زيزي») بفكّ وتركيب الماكينات – وعلى المستوى الشخصي، أذكر في طفولتي كيف تمكّن منّي حب السفر.. حتى اتخذتُ قراراً مبكراً بأن أكون مضيفة جوية؛ لأبيت ليلتي في عاصمة وأصحو في أخرى، ولو وجدت مَن يساعدني على اتخاذ هذا القرار.. لربما قضيت حياتي بين السماء والأرض.
في مرحلة أخرى، وقبل أن تظهر الرائعة عزة فهمي – فنانة الحلى العالمية – كنتُ شديدة الولع بفكّ الحلى وتركيبها، أو بالأحرى فكّها والتعثّر في تركيبها. وإلى الآن ما زال في نفسي شيء من حتى كما يقولون، فمع أنني لم أختر طريق عزة فهمي.. إلا إنني أحب اقتناء الحلي جداً، وأرى أن ثوباً بلا حلى فيه شيء ناقص. ثم أخذني الشغف إلى الكتابة فبقيت على ضفافها، وحرصتُ على تجميلها ببعضٍ من الإكسسوارات النحوية، والصور الجمالية، وبعضٍ من أدب الرحلات، فبدا الأمر وكأنني قمتُ بتضفير ألوان مختلفة من الشغف القديم عبر السطور.
***
وهكذا فإن المسافة الزمنية بين وجود الشغف واكتشافه.. قد تطول؛ فإحدى صديقات طفولتي البعيدة، اتخذَت مسار الطب، ومضت فيه دون تبرُّم أو ندم. ثم إذ فجأة – وقبل سنوات قليلة – اقتحمَت بجرأة متناهية.. عالم تصميم الأزياء، وأعادت اكتشاف نفسها. أدهشنا عرض أزيائها.. في واحدة من أكبر عواصم الموضة العربية، وعندما أمسكَت بيد إحدى عارضاتها الفارعات، وخرجَت معها لتحية الجمهور، بدا لي أني أسمع دقات قلبها بوضوح. أين كان هذا الإلهام مختبئاً يا ست؟ وما دخل التحاليل الطبية وعينات الدم وقراءات السكر وإنزيمات الكبد.. بالخيط والإبرة والأقمشة والباترونات؟
… أظنها هي نفسها لا تعرف.
ولي قريبة شابة خريجة إحدى الجامعات الخاصة الكبيرة.. في تخصُّص العلاقات العامة، ثم إذ فجأة أبدت مهارة فائقة في الطبخ، وأثبتت أنها تملك هذا النَفَس العجيب.. الذي يختص به الله سبحانه وتعالى فئة من الخَلق دون سواهم، والذي لا يملك له تفسيراً.. حتى الشات چي پي تي. لا أكاد أذكر أن هذه الشابة قد أظهرَت في أي مرحلة من مراحل حياتها.. ولعاً بطهي الطعام، بل لا أكاد أذكر أنني أكلتُ يوماً بيضتين مسلوقتين.. من صُنع يديها. الآن اختلف الأمر تماماً، وعندما تجمعنا معها مائدة رمضانية واحدة، تفاجئنا بقدرتها على خلط مكونات متنافرة.. منها الحلو ومنها المالح، لتخرج لنا بطبق مبتكر.. يتبعه السؤال المعتاد: إيه رأيك يا طنطي؟
تلتقط صورة للطبق الشهي، وتضعها على صفحة الإنستجرام الخاصة بها.. فتنهال عليها القلوب الحمراء. وبينما نسير معاً في الطريق، تستوقفها إحدى المعجبات.. لتلتقط معها صورة سيلفي.. أرزاق.
ومع بعض التنويع، ظهرَ حب الطبخ على إحدى طالباتي السابقات، بعدما كانت قد لفّت العالم شرقاً وغرباً.. وشبعَت ترحالاً، وانتقلَت من وظيفةٍ لأخرى، ثم إذا بها تتخصّص في توثيق تاريخ المطبخ المصري. وعندما تسمعها وهي تتكلم عن تاريخ الأكلات وأصلها وفصلها، وكيف تطوَّرت.. من عصر لآخر، ومن بيت لبيت، تتخيّل نفسك تجلس مع أبلة نظيرة شخصياً. ومؤخراً أصبحَت لهذه الشابة الجميلة قناة على اليوتيوب.. تطل منها علينا مبتسمة.
***
في أحيانٍ أخرى قد نكتشف الشغف الذي في داخلنا ونتجاهله. مزيج من عدم الثقة بالنفس، أو بالعكس استكثار أنفسنا على أنواع معينة من الشغف، مع تفضيل البقاء في المنطقة الآمنة وتجنّب التغيير.. أسباب كلها قد تعطّل تشغيل الشغف. وهكذا قد يعيش الواحد منّا حياته كلها وهو يسبح عكس التيار… يعمل ويكسب ويترقّى ويُحال إلى التقاعد، وقلبه في مكان آخر. مثل هؤلاء الأشخاص، يتنازلون بإرادتهم عن مكامن القوة في داخلهم، ويمارسون حياةً روتينية لا تشبههم في شيء، لكنها تؤمّن لهم الحد الأدنى من كل شيء، وهذا نوع رديء من الحياة، أتفهّم دوافعه، لكن لا أحبه.
ثم هناك نوع ثالث من البشر – يتكفل الآخرون باكتشاف شغفهم المخبوء، وتكون هذه هي لحظة التغيير وفرصة العمر، ونقطة التحوّل في حياتهم – أرى الآن أمام عيني عبدالحليم حافظ، أو مِنعم – بشحمه ولحمه – في فيلم «شارع الحب» – عندما سمح عبد السلام النابلسي – أو حسب الله السادس عشر – لهذا الصعلوك الشاب.. بالعيش مع فرقته، بشرط ألا يدق أو ينفخ (أي.. لا تطبيل ولا تزمير). ثم إذا بمِنعم.. صاحب الحنجرة الذهبية، يغنّي وحيداً والناس نيام، فيتحوّل إلى نجم الفرقة. هذا النموذج – الذي تكرر في أفلام عديدة لصباح.. أو نِمرة في فيلم «الآنسة ماما»، وسامية جمال.. أو سمسمة في فيلم «عفريتة هانم» – له ما يماثله في حياتنا اليومية، وكم منّا أعيد توجيه بوصلته.. بتأثير من الخارج.
***
في قاموس المعاني، يتم تعريف المشغوف.. بأنه هو الشخص المولع بالشيء، أي الذي يُغرَم به ويهواه. ولنا أن نتصوّر كيف يمكن أن يكون العالَم من حولنا ألطف كثيراً.. إذا كان الواحد منّا قادراً على أن يفعل الشيء.. الذي شُغف به حباً.
نقلاً عن «الشروق»