محمد أبو الغار
«ألزهايمر».. هو السبب الأساسي في حدوث الخرف عند الإنسان، وهو ما يعني أن الشخص ينسى بسرعة فائقة.. جميع الأحداث والكلمات والتفاهمات التي وقعت حديثاً، ويضع الأشياء في غير أماكنها الصحيحة؛ مثلاً بدلاً من أن يضع ملابسه في الدولاب، يضعها تحت السرير. وينسى الأسماء والأماكن والأشياء المختلفة بسرعة فائقة، ويكافح كثيراً للبحث عن كلمة يعبر بها عما يريده. ويعيد السؤال – أو الكلمات عموماً – مرات كثيرة.. في فترة قصيرة؛ فمثلاً يسأل: الساعة كام؟ عشر مرات.. في ظرف خمس دقائق، ويكون غير قادر على الحكم على الأشياء أو اتخاذ قرار، ويصبح متردداً وغير مرن.
وفي المراحل الأكثر تقدماً، يجد صعوبة في معرفة أفراد العائلة، وممكن أن يخرج من المنزل.. ويفقد طريقه بسهولة، ويجد صعوبة في الكلام، ويتعرض لنوبات من الاكتئاب، واضطراب في النوم، وأحياناً تحدث نوبات من الغضب أو الهياج، ونوبات من الهلوسة، ويحتاج لرعاية حتى يستطيع أن يأكل ويستحم ويرتدي ملابسه. وفي المراحل شديدة التأخر.. قد يكون عدوانياً، ويجد صعوبة في البلع أو الحركة، ويفقد السيطرة على المثانة والتبرز.
ومرض «ألزهايمر».. سببه ظهور مواد بروتينية تترسب في المخ، وتقتل خلايا المخ، فينكمش حجم المخ تدريجياً. ولا يوجد علاج ناجع لـ«ألزهايمر»، ولكن توجد أدوية حديثة.. ربما تقلل من سرعة التدهور، وتقلل من الأعراض المزعجة؛ مثل العصبية الشديدة والصراخ، وتساعد على النوم.
والعلاج الحقيقي.. هو كيفية التعامل مع المريض، فيجب احترام المريض، واحترام المساحة التي يرغب في أن يتحرك فيها، ويجب أن يعيش في مكان هادئ، وأن تُترك بجواره الأشياء التي يحبها، والصور القديمة.. لأن ذاكرته في الأمور القديمة قد تكون محفوظة. فهو قد يعرف مَن الشخص الموجود في صوره القديمة ولا يعرف الشخص الذي قدم له الصورة، ويجب إعطاؤه الإحساس بالأمان.
وعندما يريد شخص أن يساعد المريض فعليه المساعدة في التعرف عليه.. بذكر اسمه وعلاقته بالمريض، ولا تقول له أبداً: «إنت مش فاكرني». يجب أن يأكل المريض بانتظام أكلاً صحياً، لأن المريض قد ينسى أن يأكل، وكذلك يجب أن يشرب، ويجب تشجيعه على الحركة والمشي.. بصحبة شخص مناسب، ومحاولة إشراكه في لعبة مثل الكوتشينة.
ويجب أن نكون واقعيين.. فلا نطلب منه المشي أكثر مما يستطيع، فالحركة لفترة بسيطة عدة مرات مفيدة. ونحاول جذب المريض لسماع الموسيقى، ومشاهدة الرقص، وندعه يختار بين أصناف الأكل المختلفة.
العناية بالمريض ورعايته.. تختلف حسب البلد الذي يعيش فيه المريض، وظروف العائلة الاقتصادية. ففي أوروبا وأمريكا، معظم مرضى «ألزهايمر» يوضعون في مصحات خاصة، وترعاهم ممرضات ومتخصصون في العناية بهذا المرض. بالطبع في أمريكا هذه المصحات مكلفة، ولا تستطيع العائلات ذات الدخل المتوسط والصغير تحمل التكلفة، فيترك المريض في البيت وحده.. بسبب عمل باقي أفراد العائلة، وتتدهور حالته بسرعة. في أوروبا كلها، هناك نظام رعاية صحية مجانية لهذه الحالات، ومستوى الرعاية والخدمة.. يختلف من بلد لآخر، ولكنه متوفر بطريقة معقولة في كل أوروبا، وفي مستوى رفيع في بلاد شمال أوروبا، مثل الدول الاسكندنافية.
وفي بلاد العالم الثالث – مثل مصر – تتم العناية بالمريض في المنزل، وفي العائلات المتوسطة والفقيرة يتكفل الجميع برعاية المريض، فلا يُترك وحده أبداً، وفي العائلات التي يعمل كل أفرادها.. وعندها القدرة المادية، يتم اختيار جليس أو جليسة؛ بحيث يكون هناك أحد مع المريض طوال 24 ساعة، وهناك في مصر سيدات مدربات على العناية بمرضى «ألزهايمر». والعائلات في مصر تحمل عبئاً كبيراً.. لأن العائلة بالكامل تكون مسؤولة عن المريض، ولا تترك الجليسة وحدها، بل تكون تحت إشراف ومتابعة ذوي المريض، وساعدت الأجهزة الحديثة على ذلك.. بوضع كاميرات مراقبة، وجهاز لينقل صوتها – في أي وقت إلى مكان آخر – والعائلة ممكن أن تراقب كل ما يحدث على التليفون.. من أي مكان، حتى لو كانوا خارج البلاد، بحيث يطمئنون أن الرعاية كاملة.
الجميع يقول إن الضغط النفسي والعصبي على أفراد العائلة – خاصة القريبين من المريض – شديد، لأن الأمر يستمر سنوات طويلة.
في أوروبا وأمريكا، إذا استمر علاج المريض في المنزل.. فهناك جمعيات أهلية، يمكن أن تطلب معاونتها، وأيضاً تسأل الأقارب والجيران المساعدة، واستخدام الأدوية الطبية الحديثة.. ساعد كثيراً في تهدئة المريض.
ولا بد أن تفكر في المستقبل، وذلك بالحديث مع العائلة الصغيرة – كالأولاد والأحفاد والزوج والأخوات – يجب أن يكون هناك اتصال مع طبيب متخصص، يعرف الحالة.. ويساعد بالتليفون أو الإيميل، وفي أوروبا يطلبون تواجد محامٍ.. لبحث أي أمور اقتصادية أو مستقبلية.
منذ حوالي خمس سنوات، أصيبت زوجتي بهذا المرض اللعين. وقبلها بعدة سنوات كانت هناك تصرفات غير طبيعية، وكان الأمر واضحاً للعائلة. وبدأت العلاج الحديث – الذي قيل إنه يؤخر تطورات المرض – وكل أفراد العائلة الصغيرة،؛ من البنتين والأحفاد الأربعة.. شاركوا في المساعدة، وعندما ازداد الضغط على العائلة لجأنا إلى جليسة ليلية، ثم أصبح عندنا جليستان.. بالإضافة إلى السيدة التي تعمل معنا منذ 45 عاماً، وبذا أصبح البيت – الذي لم يكن يبيت فيه أحد إلا شخصين – زيطة كبيرة، وتنظيم تتولاه ابنتاي الاثنتان ببراعة.
الضغط النفسي كان شديداً عليَّ.. بمرور الوقت؛ فرؤية إنسان قريب منك، وعشرة طويلة.. بهذا الشكل والتصرف، ثم لابد أن تكون هادئاً ومتقبلاً، ومساعداً للعاملين في المنزل.
الآن البيت – الذي كان منذ سبع سنوات يشغى بالنشاط والضيوف والزوار، ونادي الكتاب، وسهرات ثقافية وأخرى ترفيهية – أصبح مقفولاً بالمفتاح.. لمن يخرج ويدخل، خوفاً من خروجها وحدها، ونزولها إلى الشارع.
هذا المرض يشكل ضغطاً عصبياً ونفسياً واكتئاباً.. عند أفراد العائلة، لشعورهم بعدم القدرة على فعل شيء.. أمام إنسان عزيز عليهم، يفقد نفسه بالتدريج.
حالات «ألزهايمر» تنتشر بكثرة، بسبب ارتفاع متوسط الأعمار، ومعروف أنه يحدث في سن متقدمة، ولكنني أعرف حالات حدثت في سن ليست كبيرة. وفي مصر – حيث الظروف الاقتصادية صعبة، ومعظم العائلات المتوسطة دخلها.. يكفي بالكاد معيشة الأسرة – فكيف يتعاملون مع هذه المأساة؟
الله أعلم.
قوم يا مصري.. مصر دايماً بتناديك.
نقلاً عن «المصري اليوم»