د. أحمد يوسف أحمد
كانت القوة دائماً هي المفتاح الرئيسي.. لفهم التفاعلات السياسية الدولية،؛ فلكل الدول مصالحها التي لا تستطيع أن تحقق منها.. إلا بمقدار قوتها، وقد كان هانز چي. مورجانثو.. هو أول من قدم تنظيراً متكاملاً لهذه الحقيقة، في كتابه المعنون «التفاعلات السياسية بين الأمم: الكفاح من أجل القوة والسلام» الصادر في 1948؛ أي أن كتابته تمت في أتون الحرب العالمية الثانية، التي شهدت من القتل والتدمير ما لم تشهده حرب قبلها، خاصة وقد كانت نهايتها مأساوية بأول وآخر استخدام حتى الآن للسلاح الذري.
وقد وضع ذلك الكتاب الأساس القوي.. للمدرسة الواقعية في تحليل العلاقات الدولية، التي تعددت الاجتهادات في إطارها وخارج إطارها، لكن الواقع أثبت أن الأولوية – إن لم يكن الاحتكار – ما زالت لها في أي محاولة لفهم التفاعلات الدولية، وذلك إلى الحد الذي يجعل الساحة الدولية تبدو – في كثير من الأحيان شديدة القبح – بسبب ما يفرضه الأقوياء على الضعفاء من مظالم؛ كما شاهدنا في تجربة هتلر في ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته، وكما نتابع الآن أفعال نتنياهو في فلسطين وخارجها. ورغم التطور الرفيع في منظومة القانون الدولي ومبادئه السامية، إلا أنه لا يخفى أن إنفاذه في حكم العدم، لأن من يملك القوة يفرض قانونه، بل إن القوة لا تترك عملية صنع قرارات ما يُسَمَّى بالشرعية الدولية.. في حالها؛ بحيث تعكس هذه القرارات موازين القوى السائدة، كما يظهر من القرار الجائر بتقسيم فلسطين في 1947، كما أن هذه الموازين نفسها.. تحول دون تنفيذ بعض القرارات شبه المتوازنة؛ كقرار مجلس الأمن 242.
ويشهد العالم الآن موجة جديدة من ممارسات جنون القوة وجموحها، بدأت بعمليات الإبادة الجماعية في فلسطين منذ أكثر من سنتين، وتتواصل الآن بالسلوك الأمريكي تجاه فنزويلا.. الذي على الرغم من فجاجته، لم يبدأ بترامب، وإنما تضرب جذوره في عمق الخبرة السياسية الأمريكية داخلياً وخارجياً، وإذا اكتفينا بالخارج، تبرز على الفور الحالات الفيتنامية والأفغانية والعراقية، وحتى واقعة اختطاف الرئيس الفنزويلي.. لها سابقة شهيرة طبق الأصل في نفس الشهر منذ 36 سنة، وبذات التهمة (تهريب المخدرات) مع رئيس بنما.
وإذا كانت الإدارات الأمريكية – التي انخرطت في الحالات السابقة – قد حاولت أن تتذرع بحجج تبرر تدخلها في الشؤون الخارجية لغيرها من البلدان.. كمحاربة الشيوعية في الحالة الفيتنامية، ومكافحة الإرهاب في الحالة الأفغانية، وأكذوبة نزع أسلحة الدمار الشامل في الحالة العراقية، فإن حديث الذرائع تراجع كثيراً مع الرئيس ترامب، وأصبح أقرب إلى الحديث عن حقوق للولايات المتحدة.. تفضي لاستعادة قناة بنما، والاستحواذ على جزيرة جرينلاند، وضم كندا.. لتصبح الولاية الأمريكية 51، وتغيير اسم خليج المكسيك إلى خليج أمريكا.
وبالإضافة إلى أن ممارسة ترامب للقوة – والتلويح بها – تنطوي على مخالفات أكيدة.. لأبسط قواعد القانون الدولي، فإن الأخطر هو «ثنائية الخصم والحكم».. التي تجتمع في شخص ترامب؛ فهو الذي يكتب عريضة الاتهام، ويرتب عليها أمر اعتقال، ويدفع بقواته لتنفيذه.. ساحقاً بقدميه مبادئ القانون الدولي وقواعده، ثم تتولى محاكمه الاقتصاص من المتهم، وتنفيذ الحكم فيه؛ مع التلميح بأن ذات المصير.. ينتظر كل من يختلف معه؛ سواء في جواره الجغرافي أو خارجه، وكأنه لا يكتفي بقتل القانون الدولي، وإنما يمعن في التمثيل بجثته، تماماً كما يفعل نتنياهو. فما نهاية هذا الجموح؟
تشير الخبرة التاريخية إلى أن هذا النوع من السلوك.. لا بد وأن يفضي إلى مقاومة، لكن توقيت هذه المقاومة وشدتها، يتوقف على عوامل عديدة.. لابد من إمعان النظر فيها، كي يمكن استشراف المستقبل بأقصى درجة ممكنة من الدقة…
أول هذه العوامل.. يرتبط بالداخل الفنزويلي، الذي يسوده حتى الآن نوع من الغموض؛ فنائبة مادورو – التي تولت الرئاسة مؤقتاً – بدت أولاً متمسكة به، ثم استخدمت لاحقاً لغة تصالحية.. قد لا تُجدي مع رغبة ترامب في الاستحواذ على كل شيء، وفي المقدمة النفط بطبيعة الحال. ولم نر أي مظاهرات حاشدة في فنزويلا – تؤيد مادورو أو تعارضه – كما أننا لا نملك معلومات دقيقة عن موقف الجيش.. ودرجة تماسكه، وبالتالي فإن الوضع الداخلي – لغير متخصص مثلي – يبدو بحاجة لمزيد من التوضيح، إن كنا نريد أخذه في الاعتبار.. عند استشراف المستقبل.
وثاني العوامل هو المواقف الخارجية، وللأسف فإن ما يجمعها حتى الآن.. هو الطابع اللفظي، بمعنى أن قلة من الدول.. كالأرجنتين وإيطاليا وإسرائيل، قد أيدت ترامب فيما فعل. أما من أدانوه.. كروسيا والصين، فقد اقتصر موقفهما على الإدانة اللفظية – في تكرار لسابق موقفيهما من الحرب على غزة – وإن كانت الدولتان صاحبتي علاقات قوية مع فنزويلا.. عكس الحالة الفلسطينية. أما الاتحاد الأوروبي، فهو حائر كالعادة.. بين عدم الجرأة على إدانة السلوك الأمريكي صراحة، واستحالة قبول المساس بسيادة دولة أوروبية. ولذلك يغلب على تصريحات قياداته طابع الحذر، والإعراب عن الحاجة لمعلومات، بينما الأمور شديدة الوضوح، وتقرير مبادئ عامة.. كتأكيد التمسك بالسيادة الوطنية.
أما العامل الثالث – الذي يمْكِن التعويل عليه – فهو الداخل الأمريكي، الذي توجد فيه معارضة قوية لسياسات ترامب، لكنها قد لا تفضي لأي تأثير فعلي.. قبل إجراء انتخابات التجديد النصفي للكونجرس هذا العام.. التي قد تشهد إنهاء احتكار ترامب للأغلبية فيه، وساعتها يكون لكل حادث حديث.
وفي النهاية، فإن النتيجة المهمة بالنسبة لنا – التي يجب أن نستخلصها من أحداث فنزويلا – هي أن أي تعويل على دور أمريكي في تحقيق تسوية متزنة – ولا أقول عادلة – يجب استبعاده تماماً، والمؤشرات تبدو شديدة الوضوح؛ من التفويض الكامل الذي عاد به نتنياهو من زيارته الأخيرة لواشنطن.. لضرب كل من يريد ضربه؛ من فلسطين ولبنان لإيران، ما لم يفِ بمعايير نتنياهو لأمن إسرائيل.
نقلاً عن «الأهرام»