عبدالله عبدالسلام
«الأقوياء يفعلون ما يريدون، والضعفاء يتحملون ما يستطيعون تحمله». هذه المقولة – للمؤرخ اليوناني ثوسيديدس (460- 395 قبل الميلاد) – تصلح أن تكون عنوان عامٍ ودعناه، ونبوءة عام جديد استقبلناه.
… سواء على مستوى الأفراد أو الحكومات أو العالم، يعتقد الأقوياء أن قوتهم وإمكانياتهم.. تخولهم التصرف بطريقة.. لا يستطيع من هم أقل منهم العمل بها. بل إنهم يطلبون من الضعفاء تحمُّل ذلك، وإلا واجهوا العواقب. 2025 كان عام القوة «العارية»، التي لم يسترها قوانين أو مبادئ أو مواثيق. 2026 لن يكون سوى امتداد لما سبقه، طالما أن نفس القواعد وموازين القوى.. لم تتغير.
خلال الفترة من 1945 وحتى 2025، كان العالم يعتقد – كما كتب بيل إموت، رئيس تحرير مجلة الإيكونوميست الأسبق – أن أمريكا.. رغم عيوبها وسلوكها الاستبدادي أحيانًا، ملتزمة بالمواثيق والقوانين الدولية.
وقد جاء ترامب في 20 من يناير الماضي (2025)، ليؤكد أن ذلك الاعتقاد خاطئ؛ فالقوانين والمواثيق.. إذا لم تخدم المصلحة الأمريكية ومصلحته الشخصية، لا لزوم لها. صدرت التهديدات بضم كندا، وجزيرة جرينلاند الدنماركية الشاسعة، وقناة بنما. تم فرض تعريفات جمركية هائلة على العالم. جرى الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ. أصبح الابتزاز – على طريقة المافيا – أسلوب حكم ترامب. عشرات الدول سارعت لاسترضائه. منها من قدم مئات المليارات من الدولارات، ومنها من وافق على شروطه وإملاءاته الاقتصادية والسياسية.
الإدارات الأمريكية دأبت على فرض شروطها، لكنها كانت تترك للأطراف الأخرى هامش حركة.. يحفظ ماء الوجه. مع ترامب، التشهير وتشويه السمعة والتهديد، بل استخدام القوة العسكرية، هو الرد الفوري على من يجرؤ على الكلام.. الذي لا يتفق مع سياساته. الإدارات السابقة كانت تدير الأزمات، وليس حلها. جاء ترامب.. ليفرض الحلول. البعض اعتبر ذلك تطوراً إيجابياً. إلا أن فرض الحلول.. كان على طريقة رجل العصابات الأمريكي الشهير آل كابوني (1899-1947). يعرض على الخصم – أو الطرف الآخر – حلاً معيناً، إذا وافق عليه انتهى الأمر. إما إذا رفض.. رصاصة واحدة تحل المسألة برُمتها.
حدث ذلك في غزة. فرض ترامب حلاً لوقف العدوان الإسرائيلي. حل ترامب لم يراعِ العدل والحقوق، بل موازين القوى. ليس غريباً أن اتفاق وقف القتال.. انحاز تماماً لإسرائيل. ومع ذلك تماطل في تنفيذه. ترامب حاول فرض حل مماثل على أوكرانيا.. لوقف الحرب. لكن أوروبا – على ضعفها – تضغط لتحسين الشروط.
في غزة لم يكن هناك من يضغط. في 2025، قدّم ترامب نفسه كصانع سلام. ادّعى أنه توسّط لإنهاء 8 صراعات أو حروب دولية. على الأرض، ما زالت معظم تلك الصراعات قائمة. فرض الحلول «الترامبية» من أعلى.. من شأنه التهدئة، وليس إنهاء الصراع. رغم كل الدعايات التي يروج لها ويأمل من خلالها أن يحصل على نوبل للسلام 2026 – بعد فشله في نيلها العام الماضي – لا يجب أن ننسى أن العالم شهد عواصف واضطرابات سياسية، وتدمير قيم ومواثيق صمدت عشرات السنين.. نتيجة سياساته. بتعبير إيموت: «كنا حاضرين عند التدمير». للأسف، سنشهد استمرار التدمير خلال العام الجديد، ولن نفعل شيئاً لوقفه.
نقلاً عن «المصري اليوم»