سمير مرقص
(1)
سينما البصر والبصيرة
قبل أسابيع، فقدت الثقافة وفن السينما المصرية أحد أبرز مبدعيها.. هو المخرج الكبير «داوود عبد السيد» (1946- 2025). فبالرغم من قلة عدد الأفلام التي أخرجها «داوود عبدالسيد».. إلا أن معظمها – إن لم يكن كلها – يدرج، دوماً، من ضمن أفضل مائة فيلم أنتجتها السينما المصرية عبر تاريحها. فقد استطاع – من خلال أعماله السينمائية التسعة – أن يبدع صوراً جميلة.. لمساحات إنسانية مختلفة. فلم يتوقف داوود عبدالسيد في شرائطه السينمائية.. عند الإبداع البصري فقط، بل تعداه – بعمق – إلى تبصُّر القيم الحاكمة، والظروف المحيطة، والمعاني الدالة لتلك المساحات الإنسانية.. التي تعكس حالات إدراكية وموقفية متناقضة.. لشخصيات من لحم ودم، تعيش في واقع حي؛ حيث تتراوح تلك الشخصيات بين الخوف والجرأة، والأحلام والكوابيس، والعجز والقوة، والفرح والحزن، اليقين والمتاهة، التلعثم والفصاحة، السرية والعلنية… إلخ. ومن محصلة البصر والبصيرة، كان داود عبدالسيد يأخذ المشاهدين لأفلامه.. في رحلة لاكتشاف تلك المساحات الإنسانية الوجودية المختلفة.. من خلال تجليات إبداعية مدهشة وتنقيب فكري في أغوار تلك المساحات.
(2)
الشراكة مع المشاهد لتفكيك الواقع
اتسمت رحلات داود عبد السيد مع مشاهديه.. بالشراكة، في محاولة – بالإضافة إلى التمتع بالصورة البصرية – التبصر المشترك في المعنى/المعاني.. في حياة أبطال أفلامه ومصائرهم. فلا يتعمَّد توجيه المُشاهد، بل يترك لكل مُشاهد اكتشاف الحالة الوجودية.. التي تميز كل بطل من هؤلاء الأبطال. لم يكن يستهدف من هذه الرحلة الاستكشافية الحكم على الأبطال حكماً أخلاقياً، بقدر ما كان يهمه أن يعكس الشريط السينمائي.. التناقضات التي يعيشونها، ووطأة السياق المجتمعي عليهم وردود أفعالهم.. التي ليست بالضرورة خيرة. فقليل من التحايل والمناورة والخطأ، يتيح للأبطال المهمشين.. مقاومة تلك الوطأة، والتغلب على التناقضات. لذا لم يسعَ «داوود» يوماً في أفلامه.. إلى اللجوء للحدوتة الفيلمية النمطية، التي يتصارع فيها الخير والشر بحدية.. من جهة، ولا للنهايات السعيدة المثالية.. من جهة أخرى. فلقد كان دابه هو أن يهتم المشاهد في رحلته؛ بتفكيك الواقع المجتمعي.. بغضِّ النظر عن مثالية البطل أو انتهازيته. بلغة أخرى، لم تكن أفلام «داوود عبدالسيد» مرآة تعكس الواقع، بل تصور حالات إنسانية.. تعاني وجودياً بدرجة أو أخرى، عليها أن تتصرف بطريقة أو أخرى في ظل هذا الواقع كثير التناقض وشديد الصراع. ومن ثم يصبح على المُشاهد أن يفكك التراكيب الإنسانية الوجودية المختلفة وأسباب التناقضات والصراعات السياقية.
في هذا الإطار، أخذنا «داوود عبدالسيد».. في رحلات إلى فيلم «أرض الخوف»، حيث تضيع الذات وتنقسم وتفقد المعنى. وفيلم «أرض الأحلام»، حيث يدور الصراع بين البقاء في الوطن والهجرة منه. وفي ظل هذا الصراع، تكتشف البطلة الكثير من الحقائق الحياتية. يصبح الحلم ملاذا ضد الهجرة.. التي تحمل خلاصاً من الواقع. وأرض حب الحياة وتحدي العجز بالسخرية والتمردات الصغيرة.. في فيلم «الكيت كات». وأرض الأماني البسيطة جداً للمهمشين في فيلم «سارق الفرح». وأرض المصلحة والغريزة والتواطؤ المجتمعي والمصلحة الخاصة.. في فيلم «مواطن ومخبر وحرامي». وأرض المتاهة والمعنى المراوغ والسلطة الحاضرة في كل لحظة والشخصيات التي تظهر وتختفي والوعد العسر.. في فيلم «البحث عن سيد مرزوق». وأرض التلعثم وفقدان التواصل والانسحاب المجتمعي والهروب منها إلى البحر.. في فيلم «رسائل البحر». وأرض الحيلة والمناورة والصعود الاقتصادي.. في فيلم «الصعاليك». وأرض البحث عن قدرات خارقة أو معجزات للقفز على الواقع بدلاً من مواجهته.. في فيلم «قدرات غير عادية«.
(3)
التقاطع مع الإبداعات السينمائية العالمية
إن سينما «داوود عبدالسيد»، تقف على قدم المساواة مع إبداعات سينمائية لمخرجين عالميين معتبرين مثل: «أنطونيوني (1912- 2007)»، و«كيشلوفسكي (1941 ــ 1996)»، و«سكورسيزي (83 عاماً)»؛ فالمشاهد لبعض من أعمال هؤلاء المبدعين العالميين.. سوف يلحظ كيف أن أعمال داوود عبدالسيد استطاعت أن تخلق تقاطعات إبداعية سينمائية.. مع أعمال عالمية؛ ليس بالتقليد أو الاستلهام، بل بجعل القضايا الوجودية الإنسانية المصرية.. جزءا من الهم الإنساني العام. ولعل فيلمه الساحر «أرض الخوف» – الذي أبدعه في عام 2000 – خير دليل على ما سبق. حيث أكد فيه «داوود» قدرته على تقديم فيلم مصري، يتناول الواقع المصري.. وإن بمعالجة إنسانية مركبة، تمس الوجود الإنساني وهويته؛ ما جعله يتقاطع مع الإبداعات السينمائية العالمية لمخرجين مبدعين مثل «سكورسيزي» الذي أخرج فيلما بعنوان The Departed عام 2006، تناول فكرة مشابهة لما طرحه «داوود» قبله بست سنوات، وإن اختلفت المعالجات.. التي أزعم بأن المشاهدة المقارنة للفيلمين، سوف تكون لصالح «داوود عبدالسيد» يقيناً.
وبعد، لقد رحل عنا مخرج كبير، دأب على أن يقدم أعمالاً بديعة ومثيرة للتفكير دوماً. تضع المشاهد في حالة مركبة.. من المتعة البصرية واليقظة الذهنية في آن واحد. لم يكن هدفه إمتاع المتفرج فقط، بل وضعه في حالة يقظة ذهنية. لم تكن أفلامه مجرد شرائط مصورة بكاميرا فنان مبدع، وإنما عيون وعدسات مكبرة ومصغرة.. تعمل على كشف المسكوت عنه والمطمور والمخفي في المساحات/الطبقات/المناطق الإنسانية المختلفة.. خاصة المنسية والمهمشة. ولن أنسى الحوارات المطولة والمتميزة.. التي جمعتنا في منزل مهندس المناظر المخضرم الصديق أنسي أبوسيف. خالص العزاء للأخت الكاتبة الصحفية كريمة كمال، ولمحبيه وتلاميذه والمشاهدين.
نقلاً عن «المصري اليوم«