Times of Egypt

نصائح لتجديد الخطاب الديني (1)

M.Adam
عادل نعمان

عادل نعمان

يقول البعض – وأنا منهم – «إننا قد تجاوزنا المطالبة بتجديد الخطاب الديني، وليس يجدي معهم نقاش أو حوار، والأمر أصبح في حاجة لثورة ثقافية.. لإقامة الدولة المدنية، وإذا فشلت، فعلينا الاستسلام لغزو الدولة الدينية، وإحكام قبضتها بالغلبة، والإذعان لأحكام البيعة الشرعية، فلا يبيت أحدنا ليلته.. إلا ببيعة (المُتغلب) على المنشط والمكره، ولا ننقلب أو نخرج عليه أو ننزع طاعته.. إلا إذا كفر كفراً بواحاً، وليس أدل على هذا.. أكثر من (زياد بن أبيه) – والي معاوية على البصرة والكوفة – كان يصلي بالمسلمين وهو سكران (يصلي بالناس المغرب أربع ركعات، والعشاء ثلاثاً، ويقول لهم هل أزيدكم؟)، ولم ينقلب عليه أحد، فلا يجوز تكفيره فهو أهل قبلة، ويكفيه الشهادة لمرة واحدة، كل خليفة مسلم.. لا يجوز الخروج عليه حتى تقبض روحه، وإن ارتكب من المعاصي وأفاض، وزاد وأزكم الأنوف بسيئاته.. (وهذا هو حكم الشرع)».

إلا أنني سأصدق هذا التيار القول، فقد يستوعب أن الأمر لم يعد بيده، فيسارع بالإصلاح، فربما يلحق بقطار المعاصرة، ويجنب الناس الانفراد والخلوة بدونه، عليه أن يستحدث أدواته، ويلتزم المنهج العلمي في التفكير، ويعاود النظر بموضوعية.. في المقاصد والغايات، ويلتزم بحرية الفكر.. دون قيد أو شرط أو خطوط حمراء.

ولنا في هذا ما هو قادم..

أولاً: ضرورة ضبط المصطلحات الدينية، وتعيين حدودها وفروعها وقواعد التعامل بها.. دون ثغرات أو نوافذ.. يوظفها جاهل وفق إرادته أو هواه الشخصي، فلا يتشدد المتعصب لروايات ملفقة أو موضوعة، ولا يتحزب المنتسب إلى مغالطات تاريخيّة، ولا يشُق المتطرف على الناس.. دون ما قدره الله من التخفيف والتلطيف «الله لطيف بعباده«.

وأول هذه المصطلحات: الشريعة (الشريعة.. من أين تبدأ وإلى أين تنتهي؟ وهل هي كما حددوها في القرآن والسنة والقياس والإجماع الفقهي.. للمذاهب الأربعة والمذهب الجعفري، والاجتهاد؟). وهل الإجماع الفقهي والقياس والاجتهاد.. الثلاثة في رباط واحد؟ هل هي حقائق يقرها العلم ويقبلها الواقع، وتناسب الأحداث وحركة التاريخ؟ وهل نستمد الأحكام من القصص القرآني؟ أم هي للعبرة والعظة فقط، وفي أغلبها دون إثبات تاريخي؟ وهل ينسحب الحكم الخاص «المخصص» على عموم المسلمين؟ وهل آن الأوان لتنقية التراث والأحاديث.. التي تتعارض مع القرآن والعلم والمراد الإلهي وكذلك منهج النبوة.. والعودة إلى مدرسة الرأي؟ وما أصول العمل بالفروض وأصول العمل بالواجب؟ وقواعد رد الأحاديث إلى القرآن؟. فما وافقه نأخذ به، ونرد ما يخالف.

ثانيها: الحكم وهو الفصل في النزاع والخصومة كما جاء في القرآن «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ» وليس هو الحكم الحديث بمعناه الاصطلاحي (وهو إدارة شؤون الدولة والسياسة والتشريع والقضاء كما بدله واستبدله المشايخ) وليس هو المقصود في القرآن كما هو موضح في «سبب النزول» ولو كان الحكم كما يقولون لقال ربنا «أمر المسلمين«.

ثالثها: الكفر (وهو الإنكار والستر والتغطية والإخفاء) وليس الإلحاد بمعناه الدارج العصري، ثم لماذا أصبح هذا التعريف الاصطلاحي نقيض الإيمان بالله والرسول؟ ولماذا يصبح إنكار النبوة إلحاداً وكفراً بالله؟ وهل أهل الكتاب الذين أنكروا نبوة الرسول «ملحدون»، كما اتفقت المذاهب الأربعة، وهم مؤمنون بالله الواحد وينكرون النبوة فقط؟

رابعها: الجهاد. والجهاد في سبيل الله.. «ذروة سنام الإسلام، وأفضل آيات القرب إلى الله، فكيف يكون شكل وسيناريو الجهاد في سبيل الله، وإعلاء شأن الدين.. إذا كان أساسه الفتح والغزو؟ «قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ». 

وكما زعموا قديماً.. إن الجهاد فرض عين ضد الكفر والكافرين.. حتى لو لم يبدأوا بقتال. وهل يساير هذا الجهاد القوانين الدولية، واتفاقيات الجوار، وترسيم الحدود؟.. إلا في حالة الاعتداء، جهاد الدفع «ولَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ»، وليس جهاد الطلب.. الذي ابتدعوه للغزو والاحتلال، وهو بعيد عن المنهج الإلهي.. القائم على العدل والرحمة، وإسعاد الناس، والبحث عن راحتهم. أم أن الجهاد على النحو العصري.. هو جهاد في تحصيل العلم، وفي الأخذ بأسباب التطور والحداثة، والارتقاء بالعنصر البشري، وبناء الإنسان والاهتمام بالآداب والفنون، حتى نعمر الأرض.. وهو المراد من الله، فلن يعمر الأرض جاهل أو مريض أو جائع أو خائف.

خامسها: الفتوى، تعريفها، وما الأصول التي تعتمد عليها، ومن صاحب الحق في الفتوى.. ومؤهلاته، والشروط الواجب توافرها فيمن يفتي، وكيف يمكن تحديد من له الحق في الفتوى، وهل الفتوى ملزمة، أم أنها مجرد رأي.. يمكن الأخذ بها من عدمه، ومتى تكون ملزمة؟

نلتقي الأسبوع القادم

(الدولة المدنية هي الحل)

نقلاً عن «المصري اليوم«

شارك هذه المقالة