Times of Egypt

أمريكا على حافة إعادة التشكّل.. هل يكتب التاريخ فصلًا جديدًا؟

M.Adam
عمر إسماعيل

عمر أسماعيل

كسياسي هاوي أجد نفسي – منذ عام 2016.. وحتى اليوم – أمام مشهد لا يمكن إلا أن يثير الدهشة.. ما يدفعني إلى الكتابة، ليس مجرد متابعة للأحداث، بل  شعورٌ متزايد.. بأن التاريخ  يعيد نفسه بطريقة لافتة. وفي كل مرة أراقب ما يجري، يتردد في داخلي سؤال مهم.. يطرح نفسه: بقوة هل يمكن أن تسقط أمريكا؟ وهل يمكن أن تتفكك في خضم هذا الاضطراب العميق؟

هذا السؤال مشروع.. لكنه يحتاج إلى قراءة هادئة؛ فالدول الكبرى لا تنهار فجأة، بل تمر بمراحل اهتزاز.. بعضها يعيد تشكيلها، وبعضها يهدد تماسكها. وما يحدث اليوم في الولايات المتحدة، يبدو أقرب إلى لحظة إعادة تعريف، لا إلى لحظة سقوط.

ما يجري، يعيد إلى الواجهة صدى واضحًا.. للقوى التي دفعت المهاجرين الأوروبيين الأوائل لمغادرة العالم القديم. ورغم اختلاف الظروف، فإن التشابه في الجوهر.. لا يمكن تجاهله؛ فعندما تشتد قبضة المؤسسات، وتتقوقع الهويات، وتتراجع الثقة العامة، تجد المجتمعات نفسها.. أمام لحظة توتر قصوى، تبدو مألوفة عبر التاريخ.

لم يغادر أولئك المهاجرون أوروبا.. بحثًا عن مغامرة جديدة. بل هربوا من منظومة، كانت تدمج السلطة الدينية في السلطة السياسية، وتضيّق الخناق على أي صوت مخالف. كان الضمير عبئًا، والمشاركة الحقيقية غائبة، والطاعة العمياء هي القاعدة. واليوم، يصف كثير من الأمريكيين شعورًا مشابهًا، وإن اختلفت أسبابه؛ استقطاب ثقافي حاد، مؤسسات مرتبكة، ومناخ سياسي يساوي بين الاختلاف وعدم الولاء. تختلف الأدوات، لكن الأثر النفسي واحد.. مواطن يشعر بأنه مُستبعَد لا مُمثَّل.

الصراع حول الهوية الوطنية.. يزيد الصورة وضوحًا. فالمهاجرون الأوروبيون.. تركوا عالمًا تُفرض فيه الهوية من الأعلى. كان رحيلهم إعلانًا لرفض تلك الوصاية. أما الولايات المتحدة اليوم، فهي غارقة في معركة هوية داخلية، تتصارع فيها رؤى متناقضة.. حول معنى الأمة ودورها. لم يعد الأمر خلافًا على السياسات، بل صراعًا على من يملك رؤية لما هو الوطن. وهذا النوع من التوتر الوجودي.. هو نفسه الذي دفع الأوروبيين يومًا ما، إلى الإبحار نحو المجهول.

كما أن التفكك جزء من المشهد. فالمستعمرات الأولى لم تكن متجانسة؛ كانت تجريبية، مضطربة، ومختلفة في رؤاها. ما جمعها، هو قناعة مشتركة.. بأن الأنظمة القديمة لم تعد قابلة للاستمرار. واليوم، تبدو الولايات المتحدة أمام مشهد مشابه؛ ولايات تتباعد في قوانينها وثقافاتها، ومجتمعات تنسحب إلى معسكرات فكرية مغلقة، وإجماع وطني يتلاشى تدريجيًا. ومع ذلك، فإن التفكك لا يعني بالضرورة الانهيار؛ فقد كان عبر التاريخ.. نقطة انطلاق لإعادة تشكيل الذات الأمريكية.

وهنا يظهر الرابط الأقوى بين الماضي والحاضر. فأمريكا وُلدت من رحم الانقسام. أول انقسام كان مع أوروبا، ثم جاءت الثورة، فالحرب الأهلية، فالتحولات الصناعية، ثم نضالات الحقوق المدنية. وما تعيشه البلاد اليوم.. ليس استثناءً، بل فصلًا جديدًا في دورة تاريخية تتكرر؛ مجتمع يواجه حدود مؤسساته، وتناقضات هويته. الضغط كبير، لكنه ليس غريبًا عن التجربة الأمريكية.

لقد هرب المهاجرون الأوائل من عالم ضاق بهم. واليوم، يشعر كثير من الأمريكيين.. بأن النظام القائم لم يعد يعكس قيمهم، أو طموحاتهم. تختلف التفاصيل، لكن النمط واحد؛ عندما تصبح البُنى السياسية والاجتماعية جامدة أكثر من اللازم، يبدأ الناس في المقاومة.. بالرحيل، أو بإعادة البناء، أو بالمطالبة بعقد اجتماعي جديد. أمريكا لا تعيد التاريخ حرفيًا، لكنها تنسجم معه، وهذا الانسجام يزداد وضوحًا.. يومًا بعد يوم.

ومع كل ذلك، يبقى السؤال المهم: هل تتجه الولايات المتحدة نحو السقوط أو التفكك؟  

الواقع يشير إلى أن ما يحدث.. هو اختبار وجودي، لا لحظة انهيار. إنها مرحلة تعيد فيها أمريكا النظر في ذاتها و نفسها ، وتواجه تناقضاتها، وتختبر قدرتها على البقاء دولة موحدة.. رغم الانقسام.  

إنها لحظة مفصلية، لا لحظة سقوط. لحظة إعادة تشكّيل، لا لحظة تفكك. 

وما سيأتي بعدها، سيحدد شكل أمريكا لعقود قادمة.

شارك هذه المقالة