مودي حكيم
قدَّمت السينما العالمية، مع مطلع هذا العام – هديةٌ لعشاقها.. في زمن المجيء وعيد الميلاد – بعرض فيلم «أنا الحبَل بلا دنس».. في دور السينما في جميع أنحاء العالم. هذا الفيلم الوثائقي الرائع – المُصوَّر والمُجسَّد ببراعة – يُقدِّم صورةً مريميةً للعذراء مريم.. بأفضل صورةٍ ممكنةٍ لفيلمٍ سينمائي.
تتراوح المشاهد بين حياة مريم البكر، والبشارة، وما بعد الصلب.. كل مشهدٍ له طابعه الخاص. والحبل بلا دنس عقيدة كاثوليكية.. تعني أنها حُفِظت معصومة من الخطيئة الأصلية.. التي سقط فيها آدم، وتوارثتها الأجيال.. بفضل نعمة خاصة من الله. عقيدة تتعارض مع عقيدة الميلاد البتولي في الكنيسة الأرثوذكسية. وليس المجال هنا لمناقشتها.
وبصرف النظر عن الخلاف في المعتقدات الدينية.. بين بعض الطوائف المسيحية، تبقى حقيقة واحدة، أن فيلم «أنا الحبَل بلا دنس».. فيلم جديد، عمل درامي وثائقي رائع مؤثر، من إخراج البولندي ميخال كوندرات؛ يُسلّط الضوء على دور مريم في تاريخ الخلاص، مُركّزاً على ظهورها للقديسة برناديت – فى ضيعة لورد بجنوب فرنسا عام 1858 – موجهة من خلال هذه الفتاة المتواضعة.. دعوة إلى الناس، لكي يتوبوا، ولتكن في الكنيسة غيرة أكبر.. على الصلاة والمحبة، وخدمة المرضى والفقراء.
يُلامس هذا الفيلم الوثائقي مشاعرنا، وحبنا للعذراء مريم، كما أنه أداة تعليمية رائعة للأمهات والعائلات، إذ يُقدِّم مريم.. كنموذج أسمى للحب المُتجرِّد، والثقة الراسخة بالله. تُذكّرنا حياتها بأن نعمة الله.. قادرة على تحويل العادي إلى استثنائي؛ مُلهمةً الأمهات لاحتضان دعوتهنّ بشجاعة وإيمان. يستكشف الفيلم حضور مريم في حياة يسوع – من عرس قانا إلى الصلب – مُقدّماً نظرة عميقة على إنسانيتها، وأمومتها الروحية.
من خلال تسليط الضوء على هذه اللحظات، يربط الفيلم تجارب مريم.. بالتحديات والأفراح التي تواجهها العائلات اليوم. كما يُبرز مريم.. كنموذجٍ أسمى للأنوثة؛ مُجسّدةً العبقرية الأنثوية.. من خلال نعمتها وقوتها، وحبها المُضحّي.
يجمع الفيلم بين صورٍ خلابة، وعناصر تقليدية.. ليجذب المشاهدين إلى قصة مريم بطريقة آسرة، مُجسداً لحظاتٍ مقدسة.. تُلامس الروح. والأهم من ذلك، يُبرز الفيلم مكانة مريم الخالدة.. كمنارة أمل وقدوة في التواضع. فحملها بلا دنس، يُجسد نعمة الله.. داعياً العائلات والأفراد إلى الثقة في تدبيره، والسعي نحو القداسة في حياتهم.
من أجمل المشاهد، تسليط الضوء على مريم البتول.. وهي تُضمّ جسد ابنها يسوع. وهي تُفكّر في كلمات جبرائيل في البشارة، وكذلك مشهد زيارة مريم العذراء.. لقريبتها أليصابات بعد البشارة. حين «قفز الجنين».. في بطن أليصابات، واعترافها بعظمة مريم، وهي قصة ترمز لدعم النساء لبعضهن البعض.. في أوقات المعجزة.
يُعدّ هذا المشهد بالغ الأهمية، فقد وجد المنتج والمخرج البولندي ميخال كوندرات طريقةً سينمائيةً شاعريةً رائعةً.. لإحياء المشهد. فمع لقاء مريم وأليصابات وانغماسهما في روعة هذا الحدث، يزداد جمال لقائهما بطريقةٍ مبتكرة. وتُختتم الموسيقى التصويرية المشهد بترنيمة مريم «المجد لله» – التي تُؤديها الفنانة الرومانية ماريا كومن؛ في أغنية جميلة ومؤثرة ومُلهمة – فيُبرز المخرج الروابط والمعاني.. بأسلوب فنيٍّ يُحاكي أسلوب فناني عصر النهضة في لوحاتهم.
صُوّرت هذه الأعمال الدرامية في بولندا والولايات المتحدة، وهي تُقدَّم بأسلوبٍ مُبتكرٍ وجذاب. كما تُصوّر الأحداث بعمقٍ؛ بفضل أداء الممثلين المتميز. في جميع المشاهد، تُقدم الممثلة ماريا جوزوين.. أحد أفضل تجسيدات مريم على الشاشة. تُجسد مريم ببراعة فائقة، مُظهرةً مراحل عمرية مختلفة، من مراهقة يافعة إلى أم حزينة. تنقل تعابير وجهها وحركاتها الدقيقة مشاعر مريم، بل وتُلمح إلى أفكارها.
يُضفي كوندرات مزيداً من العمق على هذه الروايات، ويُحافظ على حيوية الأحداث.. من خلال التوقيت الدقيق، و«تجسيد» مختلف المقاطع.. باستخدام لوحات فسيفسائية، وأعمال فنية دينية كلاسيكية رائعة.
في الوقت نفسه – ولإبراز الأهمية الدائمة لمريم العذراء، والدة المسيح، ودورها الاستثنائي في الخطة الإلهية للخلاص عبر العصور – يأخذ الفيلم المشاهدين إلى جنة عدن، ثم ينتقل سريعاً إلى المستقبل؛ أولاً إلى باريس في كنيسة الميدالية المعجزة، ثم إلى لورد.
في النهاية، يُعد «أنا الحبَل بلا دنس».. فيلماً وثائقياً درامياً مؤثراً، مُصوَّراً ومُجسَّداً ببراعة، وهو بمثابة هدية لمريم العذراء – والدة المسيح – وهدية مباركة في زمن المجيء.. وعيد الميلاد للجميع.
نقلاً عن «المصري اليوم»