أحمد الجمال
أتجنب مشاهدة قنوات الإخوان، ليس لأنني ضد واجب حصول الصحفي أو الكاتب على المعلومة، بصرف النظر عن أسلوب وأخلاقيات مصدرها، ولكن لأن معظم – إن لم يكن كل – ما يبث عندهم.. لا معلومات جديدة موثقة فيه، بقدر ما فيه من مغالطات وتزييف وتحريض غوغائي، بأسلوب لا يخلو – مرة واحدة – من بذاءات لفظية وحركية، تتجاوز استهداف المسؤولين في السلطة المصرية، إلى الشعب المصري نفسه؛ الذي يوجهون إليه قبحهم البذيء؛ باتهامه بعدم الوعي وبالجهل والسطحية، وعدم تعلم الدروس، ومن ثم تجاهل العواقب.
ولا أخفي سراً، أن ما أتجنبه أيضاً – لأنه لا جديد فيه ولا ذوق ولا قيم – هو ما يبثه بعض الإعلاميين المصريين، الذين عرفتهم صحفيين وروائيين أحياناً، وهم ليسوا إخواناً، وإن جمعهم مع الإخوان.. الإصرار على ازدراء جموع الشعب المصري، وتسفيه تاريخ الوطن ورموزه، والانتقاص المشين من قيمه العليا.. ومن مكنونات وجدانه.
وقد واصلت تتبع ظاهرة القبح والبذاءة.. منذ زمن طويل، ودوماً أتجه للمصادر والمراجع.. لمحاولة فهمها، وسر شيوعها.. بأنواع ودرجات مختلفة؛ لأنها على مستوى آخر.. غير مستوى الصراعات السياسية والصرعات الإعلامية والبثور الثقافية، نراها شائعة في الشوارع ووسائل الانتقال العامة كالميكروباصات والتكاتك وأحياناً التاكسي. والأدهى، أن آخرين تطوعوا بإقحامها في المساجد، عبر مكبرات الصوت التي أضحت وأمست وأصبحت ودامت لعنة وجريمة، تخالف نصوصاً قرآنية، وتضرب عرض الحائط بكل القواعد والقوانين.. المنظمة لاستخدامها.
وخلال بحثي عن الأصل في الظاهرة، وجدت رسالة أرسلها لي منذ عشر سنوات – أي 2015- السيد أحمد لطفي – كبير معلمي فيزياء الطيران، والمستشار السابق للشركة البريطانية للطائرات العسكرية – وقد نشرتها في حينه، ووجدتها الآن لا تزال مصدراً ومرجعاً علمياً.. يساعدنا على فهم الظاهرة، وإليكم نص ما تلقيته: «ظاهرة القبح والسفالة.. التي باتت تسود بعض الفضائيات، وتجري على ألسنة مذيعيها، والتي أكدت فيها على بديهية أن التعميم في الأحكام، واتخاذ المواقف خطأ.. يصل أحياناً إلى حد الخطيئة!
كما قلت نصاً في المقال، واقع الحال يا سيدي.. يحتم علينا أن ننظر للمشهد من زاوية أكثر اتساعاً وشمولاً، فالإعلام.. ما هو إلا مرآة للمجتمع، وما يدور فيه، ويحدث في جنباته؛ فالقائمون عليه، والعاملون فيه، ومن يدعمونه بالتمويل – سواء من أصحاب الفضائيات أو وكالات الإعلان – كل هؤلاء من المجتمع ويعيشون فيه، ويعملون بالحاكم من قوانينه، والسائد من أعرافه.
سأبتعد أنا قليلاً عن هذا المستنقع الشائك، وأحدثك عن «ظاهرة البذاءة».. التي غزت – وما زالت تسود – المجتمع المصري بشكل وبائي، وأرجعها لأصلها وخلفيتها التاريخية وأصولها العلمية الطبية، وهي ما تُعرف بـ «متلازمة توريت –Tourette syndrome».
تظهر أعراض هذا المرض في صورة اضطراب مزمن في الحركة، تميزه لوازم (جمع لازمة) حركية أو صوتية.. تصدر من المريض نفسه، هنا يفقد المريض كل القدرة على التحكم فيما يُخرجه من حركات وألفاظ؛ هي في كثير من الأحيان ألفاظ نابية وبذيئة، ومما لا شك فيه.. أن للبذاءة أشكالاً وأنماطاً؛ بذاءة القول مثلاً.. هي أحد هذه الأنماط – ولكن ليست وحدها – فهناك أيضاً سلوكيات.. أقل ما توصف به، أنها بذيئة؛ بداية بمقاطعة الكلام، وليس انتهاء بمهاجمة المتحدث، والتهكم على الحديث، والسخرية من المتحدث. ناهيك عن التعليقات التي تقرؤها على آراء الآخرين.. في مواقع التواصل الاجتماعي، التي صارت – في كثير منها – مجالاً لتبادل البذاءات اللفظية والسباب.
يُشعرك هذا، بأن لهؤلاء الأنطاع الأبذياء.. «جينات» مختلفة، تحمل من «كروموسومات البذاءة».. بأكثر مما تحمل من صفات الوراثة.
دعني أحكِ لك قليلاً عن هذه المتلازمة المرضية المعروفة بمرض «توريت – Tourette syndrome». ففي عام 1884، وصف الطبيب الفرنسي «جيل دولا توريت – Gilles de la Tourette».. تسعة من المرضى.. يعانون مرضاً وراثياً غريباً؛ تمثلت أعراضه في متلازمة قهرية.. من التقلصات العضلية والسباب البذيء جداً. الدكتور «توريت» وصف هذا المرض، الذي كانت الماركيزة العجوز الوقور «دي دامبريير– Marquis de Dampierre»، تعاني منه، وتأتي بحركات غريبة.. بعضها قبيح جداً، مع كثير من السباب. وقد بدأ المرض عندها منذ أن كانت في السابعة.
… الحقيقة أن ثمة شواهد تاريخية سابقة لاكتشاف هذا المرض، فقد لوحظ أن رجلاً من النبلاء الفرنسيين، كانوا يقيدون يديه خلف ظهره.. كي لا يأتي بحركات بذيئة بإصبعه، في حضرة الملك لويس الرابع عشر V)Louis XI – 1715– 1638)؛ أي أنه كان مصاباً بالمرض نفسه.. قبل أن يعرف الطب اسمه.
أما عن السباب والكلام البذيء.. في كل مناسبة، ودون ما داعٍ.. فهو عَرضٌ لمرض يُعرف باسم «كوبرولاليا– Coprolalia»، وفيه تخرج البذاءات من المريض تلقائياً.. حتى لو لم يثر أعصابه أحد!.
نقلاً عن «المصري اليوم»