Times of Egypt

حول إلغاء تفويضَي العمل العسكري في العراق

M.Adam
نيفين مسعد

د. نيفين مسعد

في إطار التعديلات التي اشتمل عليها مشروع قانون الميزانية العسكرية الأمريكية لعام 2026، تم إلغاء تفويضين.. كانا ممنوحَين للرئيس الأمريكي للقيام بعمل عسكري في العراق.. دون حاجة منه للحصول على موافقة مسبقة من الكونجرس. التفويض الأول صدر في عام 1991، وشكّل الأساس القانوني لقيادة الولايات المتحدة التحالف الدولي لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي، وتم في إطاره تنفيذ عملية عسكرية.. عُرفت باسم عاصفة الصحراء.

والتفويض الثاني صدر في عام 2002، وكان هو السند القانوني للعدوان الأمريكي على العراق في العام التالى مباشرةً.. بدعوى حيازة أسلحة دمار شامل. ثم بعد سنوات، اعتذر وزير الخارجية الأسبق كولن باول.. عن عدم صحة ذلك الادعاء. ومع موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي على مشروع قانون الميزانية العسكرية – في يوم 17 ديسمبر الماضي، بعد أن كانت قد سبقته موافقة مجلس النواب – أصبح مشروع القانون جاهزًا.. لتوقيع الرئيس دونالد ترامب.

فيما يخص علاقة السلطتين التشريعية والتنفيذية.. في النظام السياسي الأمريكي، فإن إلغاء التفويضين الخاصّين بالعراق.. من المفترض – وهذا تعبير مقصود – أنه يضيّق من الصلاحيات العسكرية الممنوحة لرئيس الجمهورية على حساب الكونجرس.

وكانت هذه الصلاحيات قد اتسعت بشكل واضح.. منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، إذ صدر في أعقابها قانون يعطي لرئيس الجمهورية الحق في استخدام القوة العسكرية الضرورية.. ضد الدول والمنظمات والأشخاص، الذين دبّروا أو اشتركوا أو ساعدوا في تنفيذ الهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى مدار أربعة وعشرين عامًا، جرى استخدام هذا القانون لتوجيه ضربات عسكرية.. لما يزيد على عشرين دولة مختلفة حول العالم؛ سواء في إطار تنفيذ عمليات استباقية.. لإجهاض هجمات متوقعة ضد الولايات المتحدة، أو في إطار الرد على اعتداءات.. تعرّضت لها بالفعل الولايات المتحدة، وذلك كما حدث بصورة متكررة مع الصومال واليمن على التوالي.

أما أحدث استخدام لهذا القانون، فلقد جرى في سوريا يوم 19 من شهر ديسمبر الجاري، عندما نفّذت القوات الأمريكية عملية «عين الصقر» – التى وُصِفت بأنها أكبر عملية عسكرية أمريكية في داخل سوريا – حيث تم استهداف 70 موقعًا لتنظيم «داعش».. في منطقة البادية السورية. وأتى ذلك ردًا على ما قيل إنه.. قيام التنظيم بقتل جنديين أمريكيين ومترجم أمريكي في مدينة تدمر. وأهمية هذه العملية – التي أتت بعد يومين اثنين فقط من تصويت مجلس الشيوخ على إلغاء تفويضي العراق – هي أنها توضّح أن هناك مظلّة أوسع.. تغطي العالم كله، ويستطيع الرئيس الأمريكي أن يستظل بها.. لتنفيذ أي عملية عسكرية خاطفة في أي مكان، من دون الرجوع إلى الكونجرس؛ بما يعني أنه يجب التعامل بحذر.. قبل القفز إلى نتيجة؛ مؤداها أن قانون الميزانية العسكرية الجديد قد صحّح الخلل بين الرئيس والكونجرس.. فيما يخص الصلاحيات العسكرية.

وتتأكد الحاجة لهذا الحذر، عندما نرجع إلى بعض التحليلات السياسية.. التي تشكّك، ليس فقط في أن العملية الأمريكية ضد «داعش» في سوريا كانت فعّالة، بل في أن تنظيم داعش كان أصلًا هو الذي نفّذ هجوم تدمر ضد الأمريكيين. فمن جهة، ترتب على تراجُع قوة «داعش» – بفعل الضربات المتلاحقة  -تحوّل به إلى مجموعة من الخلايا.. الموزّعة على أنحاء متفرقة من البادية السورية، على نحو يصعب معه القول إنه تم استهداف مراكز ثابتة.. له فى حملة «عين الصقر».

ومن جهة أخرى، فإن عدم تبنِّي تنظيم داعش لهجوم تدمر، بعكس تبنيه – مثلًا – هجوم سيدني والهجوم على عناصر من الأمن السوري في ريف إدلب، إنما يثير التساؤل حول مصداقية نسبة التنفيذ إليه. أفتح قوسين هنا، لأنقل عن الباحث الممتاز أحمد كامل البحيري – المتخصص في الشأن السوري – قوله إن هناك دلائل قوية.. على أن منفّذ هجوم تدمر ينتمي إلى تنظيم «حرّاس الدين»، الذي حلّ نفسه بعد سقوط بشّار الأسد، وتم إدماجه في قوى الأمن السوري.

وهذا الأمر – إن صح – إنما يكشف عن جانب بسيط من التوظيف السياسي المستمر.. لظاهرة الإرهاب، فضربة تدمر الأمريكية.. تعزز شرعية الرئيس السوري، وتضيف إلى إنجازات الرئيس ترامب بوصفه شرطي العالم، كما أنه رجل السلام.

آتي بعد ذلك، لانعكاسات إلغاء التفويضين على العراق – الذي كان هو المستهدف بهما من الأساس – ويمكن القول إن الإلغاء، يعكس تزايد درجة الثقة الأمريكية في استقرار الأوضاع الأمنية في العراق.. بعد مُضّي سنوات طويلة من الحروب الدامية. وذلك أن حركة البناء والتعمير الداخلي، والانحسار الواضح في أعمال العنف، والنشاط الدبلوماسي الإقليمي والدولي.. جميعها مؤشرات تدل على عودة الحياة الطبيعية لبلاد الرافدين. ومثل هذا المعنى بالتحديد – المتمثّل في تحوّل العراق من بؤرة للصراع مع جواره المباشر، إلى مركز للوساطة فيما بين دوله. ومن نموذج للصراع الطائفي، إلى نموذج يبحث عن نقطة للتوازن – هو الذي يفسّر لنا الترحيب العراقي واسع النطاق.. على المستويين الرسمي وغير الرسمي، بإلغاء تفويضَي 1991 و 2002. لكن – من جهة أخرى – يخطئ مَن يتصور أن الولايات المتحدة سترفع أيديها عن العراق.. بمقتضى الإلغاء، فلديها العديد من المبررات التي تجعلها تراقب عن كثب تطورات الساحة العراقية، وتحتفظ بجاهزيتها للتحرك عند اللزوم.

مبدئياً، هناك الفصائل المسلحة.. التي تتمرد على سلطة الدولة، كما أن هناك النفوذ الإيراني.. الحريص على العراق، بعد انتهائه في سوريا ومحاصرته في لبنان. كذلك هناك أمن الحدود، وملف العلاقة مع سوريا. وهناك بالطبع القواعد العسكرية الأمريكية. ويوفّر قانون عام 2001.. المشروعية اللازمة للقيام بأي عمل عسكري أمريكي داخل العراق – على غرار ما حدث في سوريا – هذا فضلًا عن وجود مشاورات لتطوير التعاون الأمني، ومكافحة الإرهاب.. بما يتوافق مع اتفاقية الإطار الاستراتيجي لعام 2008 بين الدولتين.

وهكذا يمكن القول، إن من المهم وضع إلغاء تفويضَي الرئيس الأمريكي في الإطار المناسب.. دون تهويل، فهو على المستوى الأمريكي الداخلي.. يوفّر المخصصات المالية التي كانت تذهب إليهما دون داعٍ، كما أنه يمتصّ – من الناحية الشكلية – بعض انتقادات الديمقراطيين.. لتغوُّل الرئيس على صلاحيات الكونجرس.

وهو على المستوى العراقي، ينقل التعامل معه من المستوى الثنائي المباشر، إلى مستوى آخر.. أكثر عمومية واتساعًا.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة