Times of Egypt

في اللغو والرطانة..!

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

(1) «مكلمة زائفة وفخيمة»

المتابع للحوارات – في صورها المختلفة في العقود الثلاثة الأخيرة – خاصة مع التقدم المطرد.. الذي شهدته وسائل الاتصال، يلاحظ ظهور نخبة جديدة.. تعتمد في حواراتها، لا على تكوين ثقافي ومعرفي.. يؤهلها للحديث، وإنما على خطابات مستمدة من ثقافة سماعية.. تُستخدم فيها مصطلحات ومفردات، تلتقط بشكل متناثر من تلك الثقافة السماعية.. دون أن يكون لها تأصيل معرفي، أو منهج فكري، أو توظيف منطقي.

وللوهلة الأولى، تبدو تلك الحوارات في صورة فخيمة ومنمَّقة، وفي بعض الأحيان مبهرة، ولكنها – في حقيقة الأمر، ومع قدر من التركيز – فارغة وسطحية وباهتة. وبالأخير، فإن أقل ما توصف به.. هو أنها «مَكلَمة» تقوم على اللغو والرطانة. وأقصد باللغو: القول القصير.. أو الممتد، الذي ينطق به صاحبه.. دون أن يكون له مرجعية محكمة، أو قصد دلالي واضح، أو أثر في الواقع. ومن ثم يفرط المتحدث في حديثه، إذ – في غياب المرجعية والقصد والأثر – يصبح الكلام «ببلاش» ولا معنى له. 

أما الرطانة؛ فأعني بها استخدام مفردات ومصطلحات.. ذات مضمون فخيم من الوزن الثقيل. وفي كثير من الأوقات، يتم استخدام الأصل الأجنبي لتلك المصطلحات.. بالرغم من توفر الترجمة المعتمدة لها. إلا أنه – ومع الإفراط في استخدامها في الحديث الواحد – نجدها فاقدة/زائفة المعنى، والتسكين الصحيح.. في المواضع الملائمة لمعناها. ويتبين – سريعاً – أنه بالرغم مما تحمله من معنى عميق، إلا أن الرطانة توظفها.. لا بسبب عمقها، وإنما ادعاء للعمق. وبالأخير، تصبح محصلة اللغو والرطانة.. كلامًا فخيمًا وزائفًا.

(2) «سمات حوارات اللغو والرطانة»

هكذا تتحول اللغة.. من وسيلة للتواصل المعرفي الأمين والبناء والمثمر، إلى أداة لملء الوقت ولسد الفراغ، وحشو المساحات الحوارية.. بكلام منزوع السياق ومزين بمفردات معتبرة. ما يمنح المتكلم شرعية شكلية متخيلة.. لا شرعية مستحقة. وبالطبع، لا مجال في هكذا حوارات.. تقوم على اللغو والرطانة؛ للحصول على فكرة ذات معنى، أو إعمال التفكير النقدي. إذ تُحوِّل المكلمات – الزائفة والفخيمة – النظر عن الموضوع مثار الحوار في الأصل، كما تدفع نحو الالتهاء بالكلام المنمق وغير الحقيقي. 

بهذا المعنى – وحسب أحد المفكرين المعاصرين – تصير متلازمة اللغو/الرطانة في الخطاب العام العربي المعاصر، «ليست مجرد فائض لغوي بريء، بل تغدو جزءاً بنيوياً من أسلوب إنتاج الكلام.. لدى قطاعات واسعة من النخب الجديدة؛ خاصة التكنوقراط» (وتجدر الإشارة هنا إلى أننا نميز بين الخبراء الموظفين والخبراء المثقفين؛ يمكن مراجعة نص الخبير المثقف والخبير الموظف.. في كتابنا «أحلام فترة العزلة« ــ دار العين 2024). 

فاللغو – بوصفه كلاما.. لا يفضي إلى معنى محدد أو أثر معرفي – الذي يتواصل اليوم مع الرطانة – التي توظف مصطلحات تبدو تقنية أو فكرية، وأحياناً كثيرة بلغة أجنبية – لكنها تُستخدم بلا ضبط مفهومي؛ كلاهما سوف يمارسان – في حقيقة الأمر – وظيفة إيهامية.. أكثر منها تفسيرية، تخطف المتابع بعيداً عن الحقائق والوقائع المادية من جانب، والأفكار الأصيلة.. من جانب آخر. 

وتتراوح أسباب التوظيف.. من التلميع الشخصي، إلى «الغلوشة» على الجهل والفشل.. مروراً بالحجب – بوعي أو بغير وعي – للحقائق، والانبهار بالموضات المصطلحية المستعارة.. والمستوردة في الأغلب، والانغلاق،..، إلخ. حتى الدوائر الأكاديمية.. باتت تكتفي بما لديها من معرفة، وكأن المعرفة ساكنة.. لا تتجدد ـ فقط – بشكل دوري، وإنما بصورة متضاعفة أيضاً.

(3) «من أجل المعرفة الحقة والتفكير المتجدد والإبداع الأصيل»

إن حديثنا عن اللغو والرطانة.. ليس حديثاً عن اللغة وأزمتها، بل هو حديث عن نمط في التفكير والتعبير.. من جهة أولى. وعن غياب/تغييب الحوار الحقيقي.. الذي تشتبك فيه الأفكار بحثاً عن الحقائق.. من جهة ثانية. وتراجع الحوار الجاد.. الساعي نحو التجدد الفكري.. من جهة ثالثة. وكلها مظاهر تعكس الإشكالية المركبة للحوارات الراهنة، التي يغيب عنها العمق، وتفتقد الجدية، وتسيطر عليها اللامنهجية. حوارات ذات طبيعة اجترارية، وتكرارية، وانطباعية.. تتسم بالتحيز والحدية والاستقطاب. 

ونشير هنا إلى مقولة لأحد المفكرين المعنيين باللغة في العصر الرقمي مفادها: إن لغة الرطانة واللغو، تسهم في تعطيل التفكير النقدي، إذ تخلق انطباعاً زائفاً بالمعرفة، وتُحوِّل النقاشات العامة إلى مساحات استعراض لغوي، بدلاً من أن تكون ساحات مساءلة عقلانية؛ فحين يُستبدل السؤال بالمصطلح، والحجة بالتكرار، يكون الخطاب مغلقاً على ذاته، عصياً على الفهم والمحاسبة.

وبعد، فإن نقد الرطانة واللغو.. ليس تمريناً لغوياً محضاً، بل هو فعل مقاومة.. يصب لصالح المعرفة الحقة، والفكر المتجدد، والإبداع الأصيل. ولن ينجح هذا الفعل المُقاوم.. ما لم ندرك ـ فقط ـ خطورة اللغو والرطانة، وإنما كشف «اللغويون والرطانون». 

إن حديثنا اليوم، هو دعوة إلى استعادة اللغة.. بوصفها أداة للفهم والتفسير، لا وسيلة للتعمية والهيمنة. وإلى مساءلة المفاهيم.. بدلاً من استهلاكهاً، وربط القول بالمسؤولية، والمعرفة بالواقع المعيش. 

نواصل…

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة