محمد أبوالغار
ذهبت إلى فيلم «الست».. وذهني مُشتَّت ومحتار. قرأت كثيراً عن الفيلم؛ البعض ينقده بشدة، والبعض يدافع عنه. الحيثيات.. هي أن منى زكي اختيار سيئ؛ لأنها بعيدة كل البعد.. شكلاً وموضوعاً عن أم كلثوم. وانتقد البعض كاتب السيناريو – المشارك في كتابة الحوار – أحمد مراد. وانتقد البعض تصوير أم كلثوم في بعض اللقطات.. بأنها بخيلة أو متعجرفة.
كنت سعيداً.. بأن أشاهد فيلماً عن أم كلثوم، وأنا عاشق لفنها.. منذ كنت تلميذاً في كلية الطب، ولقد أسعدني الحظ.. بأن أحضر جميع حفلات الإذاعة لأم كلثوم، منذ كان عمري 18 عاماً.. باستثناء فترات سفري خارج مصر.
شاهدت بنفسي – عبر عدة سنوات – شكل الجمهور في الحفلات.. وأنا واحد منهم، وكيف كنا سعداء وفرحانين منتشين.. بالغناء والموسيقى، ومن كان يقفز، ومن كان يصرخ، ومن كان يبكي؛ وكلها مشاعر حقيقية.. حضرتها حوالي عشر سنوات، لمدة 9 أشهر كل عام. ولذا تفهَّمت مشاعر الجماهير في حفلات باريس؛ لأنها تمثل واقعاً حقيقياً شاهدته. حضرتُ ثومة.. حين كانت تغني ثلاث وصلات، وحضرتها في السنوات الأخيرة.. حين اكتفت بوصلتين. كان الرجال يلبسون البدلة والكرافتة، والنساء يرتدين ملابس أنيقة. وكان التدخين مباحاً في الأماكن المغلقة، فكان الجمهور يدخن بشراهة، وكان معروفاً أن عدداً منهم.. يدخن سجائر بها حشيش. وكان بار جروبي أيامها ما زال مفتوحاً، وكان مزدحماً بالجمهور قبل الحفل، وأثناء الاستراحة.. التي تصل إلى ساعة من الزمن.
نأتي إلى الفيلم: حكاية أم كلثوم.. حُكيت في مسلسل بديع عبقري، في أكثر من 30 حلقة.. كل منها ما يقارب الساعة؛ فهي حكاية طويلة.. بدأت من مولدها في نهايات القرن التاسع عشر، حتى رحلت في الربع الأخير من القرن العشرين. حفلة باريس الأولى – التي بدأ بها الفيلم، وأنهى أيضاً بها – علامة بارزة في تاريخ أم كلثوم، وتأثيرها الطاغي في العالم العربي كله. طبعاً من حق المخرج، أن يقوم بتضخيم حادث الشاب الجزائري.. ليُظهر شغف الجمهور العربي الشديد بها. وأيضاً من حق المخرج، أن يقوم بتغيير الطريقة التي غادرت بها السنبلاوين إلى القاهرة، ويتناسى الشيخ أبو العلا وزكريا أحمد. وحفلة النادي الأهلي الشهيرة.. التي حضر فيها الملك أثناء الغناء، كانت في صوان داخل النادي، ولم تكن في مسرح ضخم.
أعتقد أن السيناريو كان مختلقاً، واختار فترات هامة في تاريخها فقط، وهذا مهم في فيلم مدته محدودة.
علاقة جمال عبد الناصر بأم كلثوم، صوَّرها الفيلم بطريقة فيها جزء كبير من الحقيقة. وعلاقتها بشريف صبري، كان فيها جزءً رومانسي جداً.. ولكنه كان لطيفاً. مشهد ضابط الشرطة.. كان مكتوباً بلطف، ودمه خفيف.. بالرغم من أن الموقف كان درامياً. أعتقد أن الفيلم كان موفقاً.. بعدم الخوض كثيراً ومطولاً في علاقة أم كلثوم بأحمد رامي.
أنا استغربت.. أنها غنت في الفيلم أغاني معظمها قديمة، ما عدا «إنت عمري»؛ فهي قامت بغناء «أنا في انتظارك»، و«الأولة في الغرام».. وكلتاهما من تأليف بيرم التونسي، وألحان الشيخ زكريا أحمد، ولم يظهر أحد من الملحنين مع الفرقة.. أثناء البروفات. والشيء الذي أعتب على السيناريو فيه، وهو نقطة فارقة في تعليم وتثقيف أم كلثوم.. كان علاقتها بعائلة عبد الرازق، وكانت تستحق الإشارة.
سمعت وقرأت – قبل أن يُعرض الفيلم – عن نقد شديد لاختيار مني زكي.. لدور أم كلثوم. أعتقد أن هذا الدور صعب جداً، ويحتاج إلى ممثلة عظيمة. وقد أدَّت منى الدور ببراعة، بالرغم من أن الشكل والحجم قد يقف عائقاً، ولكنها تخطته، ولها تهنئة خاصة، وكان الماسك على الوجه فكرة جيدة.
سيد رجب.. أدَّى دور الشيخ إبراهيم – والد أم كلثوم – ببراعة؛ فهو ممثل قدير، وكان مجيداً ومقنعاً للغاية. وأعتقد أن باقي الممثلين.. كان أداؤهم جيداً. طبعاً علينا أن ننسى شكل رامي، أو وزن محمود الشريف، فليس على المخرج أن يختار لكل شخصية ممثلاً.. في شكلها وحجمها تماماً.
قرأت اعتراضات من البعض.. على الفيلم، الذي أظهر أم كلثوم سيدة.. عنيفة في التعامل مع العاملين؛ مثل الموسيقيين. وبخيلة.. مثل تعاملها في إيراد الأرض في الشرقية، وفي نفس الوقت تبذل جهداً كبيراً.. للتقرب من الحكام؛ فمع الملك فاروق.. كانت تغني أغنية «الليلة عيد على الدنيا سعيد» (رامي والسنباطي) وغيَّرت كلام الأغنية بعفوية ومهارة.. فأعطاها الملك وسام الكمال. وبعد يوليو 1952 استطاعت بمهارة وجهد.. إرضاء عبد الناصر، الذي كان معجباً بفنها من قبل، ولكنها اكتسبته لصفها تماماً، وغنَّت باسمه.
هذه حقيقة في حياة أم كلثوم، وأعتقد أننا يجب أن نتفهم.. أننا نحب صوت أم كلثوم وأغانيها، وألحان أغانيها، والبراعة التي تؤدي بها الأغاني.. التي هي نتاج مجهود كبير في اختيار الكلمات والألحان، والتدريب، والبروفات المستمرة.
هذه هي أم كلثوم بالنسبة لنا، لا يهمنا إذا كانت قاسية أو بخيلة أو تتقرب من السلطة. هذه الصفات لا تهمنا في شيء. وهذا ينطبق على جميع الفنانين. نحن نتعامل مع فن الفنان، وليس شخصه في الحياة العادية.
دعاني لمشاهدة الفيلم د. موفق قلعي والدكتورة هدى الصدة، وبالصدفة كنت أعرف شخصياً من كان يجلس في الصفين الذي أمامي والذي خلفي، وكانت مشاعرهم جميعاً إيجابية، وكلهم استغربوا بشدة.. الهجوم على الفيلم، وقالوا إنهم كانوا قادمين للمشاهدة بحذر شديد.. خوفاً من أن يطلع الفيلم «مقلب».
مبروك النجاح.. لمخرج الفيلم وكاتب السيناريو والحوار.. بعد مسلسل جبار، ثم مسرحية عن أم كلثوم.. في نفس الوقت، وتحية لجميع الممثلين، وأنا شخصياً تأثرت جداً في عدة مشاهد؛ منها ما حدث بعد 1967، والمجهود الذي بذلته في سبيل الوطن.. في ظروف شديدة الصعوبة. وتعاطفت معها كامرأة قوية ناجحة.. لها شعبية طاغية، فشلت في الارتباط بمن تحب.. لأسباب متعددة. وبالطبع أنا أحب غناء أم كلثوم، وأحفظ معظم أغانيها وألحانها، ولو كان المخرج استعان بمقاطع من أغانٍ أخرى لها.. لكان أضاف للفيلم، وبالرغم من تيقني أنها السبب الأساسي في فشل مشروع تلحين وغناء أوبرا مصرية، الذي بدأ في العشرينيات، ولحن بدايات أوبرات سيد درويش وداود حسني وكامل الخلعي، ولكن أم كلثوم – بقدرتها على الغناء متفردة.. ساعات، بدون أن يمل الجمهور – استطاعت أن تمسح بأستيكة.. فرصة عمل أوبرا مصرية.
(قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك).
نقلاً عن «المصري اليوم»