تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

ذكريات من فوق الدولاب

M.Adam
نيفين مسعد

نيفين مسعد

حتى ثمانينيات القرن الماضي، كان «فوق الدولاب» في بيوتنا.. يؤدي دوراً جليلاً للأسرة المصرية. كل الأشياء.. التي نريد الاحتفاظ بها، أو التي لا نريد الاحتفاظ بها – لكن لا يهون علينا التخلّص منها – نطوّحها فوق الدولاب.. بمنتهى الأريحية. يتحوّل فوق الدولاب إلى خزانة كبيرة، تتسع لبعض المقتنيات الثمينة، وكذلك لخزعبلات.. لا معنى لها، ولا مكان لها أيضاً. وهكذا تتجاور نسخ صفراء من صحيفة الأهرام – التي تضم نعي الوالدين والأقارب والأصحاب العُزاز – مع أشعّات الظَهر والقولون.. وما يستجد من أعضاء، مع صبغات الشعر، ومستلزمات التحايل على آثار الزمن، مع لُعب خطرة.. نتاويها بعيداً عن متناول الأحفاد.. حمايةً لهم؛ كما فعل محمود البزّاوي – عندما أخفى ريش البط داخل قُلّة قِناوي – في فيلم «همّام في أمستردام»، مع برواز مكسور ومنبّه قديم، ومضرب اسكواش.. منذ أن كان في البيت مَن تسمح له صحته بممارسة الرياضة العنيفة. وبما أن مثل هذا الخليط من أشياء.. فيه ما هو منبعج وما هو مستوٍ، فإن ترتيب فوق الدولاب.. كان يحتاج إلى مهارة ووقت، كما كان يحتاج أيضاً إلى بعضٍ من صبر أيوب.

***

فوق الدولاب إذن، يمثل رديفاً للسندرة.. التي كانت موجودة في البيوت القديمة، لتبتلع كل ما نريد أن نخفيه عن عيوننا.. لحين إشعار آخر، مع فارق بسيط.. هو أن الطعام كان أكثر ما يتم الاحتفاظ به في السندرة، فلقد كانت طراوة تلك الأيام، تسمح بتخزين الطعام في أماكن مغلقة.. دون أن يفسد. لم نكن نعي بعد، أن التغيرات المناخية ستفعل بنا الأفاعيل. وكم عشت سنين، وأنا أشاهد عملية نقل خزين السمن البلدي.. إلى ذلك التجويف العميق في أعلى جدار المطبخ.. الذي كان يُسمّى سندرة. يحل موسم الشتاء، وتأتينا قوالب الزبد البلدي.. من قريتنا الحبيبة في شمال الدلتا، فيشمّر والدي عن ساعديه، ويتفرّغ لمدة يوم كامل.. لعملية تسييح الزبدة، وتحويلها إلى سمن بلدي معتبر. 

لم أحب هذا اليوم أبداً، لأن الأعصاب فيه كانت دائماً مشدودة.. لسبب غير معلن، لكن الأرجح أن له علاقة بالحرص على ثروة الزبد الثمينة. كما لم أكن أحبه، لأن رائحة السمن النفاذة.. كانت تعبّق المكان، وتَعلَق بالجدران لساعات طويلة. لكني كنت معجبة بتقسيم الأدوار التلقائي بين والديّ، فكانت عملية تسييح الزبد.. مهمة حصرية لأبي، ولم أرَ أمي قط تمارسها معه أو بدلاً منه. حتى إذا ما ذهب أبي إلى خالقه، تحوَلنا لاستخدام السمن البلدي الجاهز.. ثم اتجهنا إلى الزيت. وهكذا، فمع أننا لم نكن بعيدين جداً عن زمن أمينة وسي السيد، إلا أن هذا النمط من تسلّط الزوج على زوجته.. لم يعرفه بيتنا، ولا بيوت الأقارب والجيران.. في محيطنا على الأقل.

***

وفي مرحلة معينة من العمر، كان فوق الدولاب يؤدي دوراً آخر.. لم يكن من الممكن للسندرة أن تنافسه فيه؛ كان يُستخدم كمسرح للمغامرات والشقاوة، ولعب العيال. ومازلت أذكر واقعة طريفة – من طفولتي المبكّرة في شقة المنيل – عندما راح أخى الأوسط.. يغريني بأن أتسلّق أرفف الملابس، وأصعد إلى فوق الدولاب؛ حيث توجد جنّة من الحلوى في انتظاري.. كما قال. كان سقف الغرفة عالياً، وكان فوق الدولاب يتجاوز مستوى النظر. وهذا الوضع.. كان يسمح باختراع الحكاوي والأساطير. 

في حقيقة الأمر، لم أكن أثق كثيراً في إغراءات أخي الأوسط؛ فكثيراً ما جرّتنى إغراءاته.. إلى مغامرات لا تُحمد عقباها. لكن في عصر أحد أيام الإجازة الصيفية، دفعني الملل والفضول والعفرتة.. إلى أن أفكر في تجربة الأمر فعلاً.. ولم لا؟.

***

تسلّقت الأرفف.. بخفّة حركة طفلة في السادسة من عمرها، على وعدٍ بأن أَقسِم مع أخي – قِسمة الحق – قطع الحلوى اللذيذة المجهولة.. فوق الدولاب. مع كل رّف أصعده، كان يرتفع مستوى توقعاتي أكثر، ويشتعل خيالي أكثر فأكثر. لكن من أول رفّ صعدته، استبعدتُ أن أجد فوق الدولاب بعض قطع شيكولاتة جروبي اللذيذة. أولاً: لأن أبي كان يكرمها، ويحتفظ بها في بونبونييرة كريستال أنيقة.. في الصالون. وثانياً: لأنه كان هناك نوع من الارتباط الشرطي.. بين شيكولاتة جروبي والعيدين الصغير والكبير.. لزوم ضيافة الزوّار، ولم يكن هذا الوقت هو وقت أعياد. لكنني قلتُ في نفسي، حتى لو كانت الحلوى الموجودة فوق الدولاب.. أقل مستوى من شيكولاتة جروبي، فإن هذا لا يعني.. أنها لا تستحق المغامرة. 

أخيراً وصلتُ إلى فوق الدولاب، وما أن اطمأن أخي إلى أنني أتممت المهمة بنجاح، حتى أغلق ضلفة الدولاب وتركني بين السما والأرض.. على وزن اسم الفيلم الشهير لهند رستم. طبعاً لم تكن هناك حلوى ولا يحزنون، بل مجموعة من الكراكيب المتربة، والأسوأ أنني كنتُ مهدَّدة.. بأن يصحو والداي من نوم القيلولة، فيجدانني في العلالي، ولم أكن أفضّل أن أترك لديهما هذا الانطباع، فشقاوتي كانت.. بوقار. توسّلت لأخي كي يفتح الدولاب ويطلق سراحي، لكن لا حياة لمن تنادي، وهكذا لم يعد هناك بُد. توكلتُ على الله وقفزتُ قفزة فرافيرو في الهواء، وتكفّلت صرختي المدوية بإيقاظ والديّ، فهرولا إلى حيث كنت.. مكوّمة على الأرض. آلمتني قدماي بشدة، وأصيبت قدمي اليمنى بشرخٍ متوسطٍ، لكن علقةً ساخنةً تلقاها أخي، ساهمت في تطييب خاطري.

***

مرّت الأيام والأعوام، وبدأ البلاكار – الذي ليس له فوق – يزاحم الدولاب التقليدي.. كما عرفناه. أفقدنا هذا التحوّل مساحة للتخزين، والفضول والعفرتة، ومصالحة الأشياء والكراكيب.. على بعضها البعض. وعلى المستوى الشخصي.. ما زلتُ أحب فوق الدولاب، وأشعرُ أن له حميمية؛ لأنه جزء من زمن حلو، وعائلة دافئة، وحكايات قديمة. ولذلك فعندما صعدَت معاونتي الطيبة.. على السلم المعدني، لتأتيني من فوق الدولاب بعلبة ڤيتامين سي.. لزوم تقوية المناعة – مع دخول فصل الشتاء – فإنها سحبَت مع العلبة.. من دون أن تدري، ذكريات كثيرة كثيرة.

نقلاً عن «الشروق»

شارك هذه المقالة