Times of Egypt

وداعاً مفيد شهاب

M.Adam
د. أحمد يوسف أحمد  

د. أحمد يوسف أحمد

مثَّل الأستاذ الجليل الدكتور مفيد شهاب – بحق – قامة علمية ووطنية وإنسانية شامخة.. يندر أن تجتمع صفاتها في شخص واحد، كما اجتمعت في شخصه الكريم. ولقد كان لقاؤنا الأول في ظروف حزينة عقب هزيمة يونيو 1967، ضمن مجموعة محدودة من الطلبة الجامعيين.. الأعضاء في منظمة الشباب، وكنا نناقش الهزيمة وملابساتها، وكان قد عاد لتوِّه من فرنسا بعد حصوله على درجة الدكتوراه في القانون الدولي، لينضم إلى أعضاء هيئة التدريس بكلية الحقوق جامعة القاهرة، رغم حصوله على درجته الجامعية الأولى من حقوق الإسكندرية، لكن تفوقه جعله يظفر بترشيح الدولة له لبعثة في فرنسا.. أهَّلته للعمل مدرساً بحقوق القاهرة. وتوطدت علاقتنا عبر الزمن، لكن توليه رئاسة جامعة القاهرة، ثم وزارة التعليم العالي – في وقت عملي كمدير لمعهد البحوث والدراسات العربية – وفَّر فرصاً أكبر لمزيد من التفاعلات، التي أكدت أصالة ذلك الرجل. 

وأذكر أن المجلس التنفيذي للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.. التي يتبعها المعهد، وهي إحدى منظمات الجامعة العربية، كان قد قرر إلغاء أجهزته الخارجية ومنها المعهد، وتحويلها إلى مؤسسات وطنية.. بحيث ينتهي دورها العربي، وكنت أحسب أن بعض الحساسيات من دول بعينها.. تجاه استضافة مصر المعهد، مسؤولة عن هذا القرار، وصعب عليَّ أن تزول الصفة العربية للمعهد – الذي أسَّسه المفكر القومي العربي الكبير ساطع الحصري، ورأسته قامات مصرية رفيعة على رأسها طه حسين – فقررت أن ألجأ لشخصيات مصرية محترمة.. للمساعدة في إجهاض هذا القرار، وكان الدكتور مفيد أول من لجأت له، وتحمَّس الرجل للدفاع عن المعهد، فقام باتصالات عديدة، كان أهمها مع الدكتور حسين كامل بهاء الدين.. الذي كان يتولى مسؤولية حقيبتي التعليم والتعليم العالي، وبهذه الصفة كان حلقة وصل بيني وبين الوزير، الذي وجَّه رسالة بالغة القوة لمدير المنظمة، مفادها أن مصر لن تسمح بإلغاء المعهد، وقد كان وتم العدول عن ذلك القرار. 

غير أن الواقعة التالية كانت أشد دلالة.. ففي أحد المؤتمرات الوزارية للمنظمة، اتخذ المؤتمر قراراً يقيد حرية المعهد.. في استخدام موارده الذاتية، وكنت قد بدأت تجربة غير مسبوقة للتمويل الذاتي للمعهد.. بسبب الأزمة المالية في الجامعة العربية ومنظماتها؛ وكانت التجربة تقوم على فرض رسوم شديدة الرمزية على الطلاب، مع الحفاظ على حصة من المنح المجانية لكل دولة. ونجحت الفكرة لدرجة أن المعهد بات يمول نفسه ذاتياً، بل ويعطي 20% من إيراداته للمنظمة، وكان من شأن قرار المجلس.. أن تُحْرَم إدارة المعهد من استخدام عوائده الذاتية، وكان الدكتور مفيد قد أصبح وزيراً للتعليم العالي، لكنه أناب عنه لحضور المؤتمر رئيس إحدى الجامعات، فاتصلت به في القاهرة وأبلغته بما حدث، وأن كل ما أطلبه هو السماح لي بالحديث في جلسة اليوم التالي، لأن الوزراء وحدهم هم المسموح لهم بالحديث، فاتصل من فوره بمن أنابه لرئاسة الوفد المصري، وأعطاه تعليمات صارمة بأن يطلب من رئيس المؤتمر باسمه.. أن أُمنح فرصة الحديث أمام المؤتمر. 

وفي صباح اليوم التالي أُعطيت الكلمة في أول جلسة، وشرحت وجهة نظري، وتم العدول عن القرار. 

كذلك لا أنسى موقفه.. حين شغرت وظيفة أمين الشؤون التعليمية بالمعهد – التي تناظر وظيفة وكيل الكلية لشؤون التعليم والطلاب – وكان يتولى هذه الوظيفة موظف إداري.. مع أنها وظيفة أكاديمية بكل المعايير، وقررت أن أطلب ترشيح شخصية أكاديمية مرموقة لهذه الوظيفة.. هي الأستاذة الدكتوره نيڤين مسعد، ولم يكن هذا ليتم.. دون دعم قوي من الدكتور مفيد، وكان مدير المنظمة على وشك زيارة القاهرة ولقاء الدكتور مفيد.. الذي حدثته في الموضوع فتحمس له، ووعد بتأييد الترشيح. 

وكان المعتاد أن أحضر لقاءات مدير المنظمة.. مع الوزير المصري، وعُقِد اللقاء ولم يُشِر الدكتور مفيد للموضوع بحرف، وانصرف الرجلان، وبعد حوالي عشر دقائق وجدت أحد مرافقي الوزير يهرول باتجاهي، ويقول لي معالي الوزير يريد التحدث معك، فنزلت مسرعاً لأجده ينتظرني بمفرده – بعد أن غادر المدير المكان – ويطمئنني أنه حسم الموضوع معه. ويعكس هذا تواضعه الجم.. الذي ميَّز سلوكه دائماً، فقد كان بمقدوره أن يطلب من أي شخص من مرافقيه.. أن يُبلغني.

 ولا أنسى، في سياق الحديث عن تواضعه، أنني دعوته ذات مرة.. لإلقاء محاضرة بالمعهد، وحضرها زميل عزيز لنا من منظمة الشباب شاء ألا يُظهر وجوده للدكتور مفيد، وقدَّرت أنه لا يريد أن يُحرجه، لأنه كان قد اعتُقِل لفترة.. قبل أن تظهر براءته، فإذا بالدكتور مفيد يلمحه أمام الباب الخارجي للمعهد – وهو يهم بالانصراف – فينادي عليه باسمه بأعلى صوته، ويتقدم نحوه ويحتضنه بحرارة. ولا أنسى أبداً علامات التأثر والبهجة التي ارتسمت على وجه ذلك الزميل العزيز. 

شرَّفني الدكتور مفيد – رحمه الله – بأن ضمَّني للمجموعة التي شكَّلها – بتكليف من الرئيس مبارك – لإعداد المذكرة المصرية في قضية الجدار العازل.. أمام محكمة العدل الدولية، ولما تحفظت لعدم تخصصي في القانون الدولي ردَّ بقوله: وهل يستقيم القانون الدولي دون سياسة؟ وكانت من أمتع تجاربي وأكثرها فائدة لي.

وعندما طلب مني – ذات يوم – مستندات شخصية.. لا تُطلب إلا في حالة الترشيح لمنصب ما، أخبرته أنني – بعملي كمدير لمعهد تابع للجامعة العربية – أُعْتبر موظفاً دولياً، فردَّ عليَّ بهدوء.. بأنه يعلم، وبعد يومين وجدت اسمي ضمن أول تشكيل للمجلس القومي لحقوق الإنسان.. الذي كان تجربة مفيدة لي. 

ولا يمكن أن يكتمل الحديث عن الراحل الكريم، دون ذكر دوره في ملحمة استعادة طابا، وقد سمعت ممن أثق فيه.. أن الرئيس مبارك لم يحسم قراره بقبول التحكيم، إلا بعد أن طمأنه الدكتور مفيد.. أن القضية محسومة لصالح مصر. 

كان آخر اتصال بيننا.. منذ قرابة الشهر؛ حين طلبت منه أن يكون المتحدث الرئيسي في ندوة عن قرار مجلس الأمن الأخير عن غزة. فاعتذر بأدبه الجم، ورشَّح لي من يقوم بالمهمة خير قيام، ولم أكن أعرف أن هذه هي المرة الأخيرة.. التي أسمع فيها صوته الحبيب. 

رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه خيراً عن تلاميذه ووطنه وأمته.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة