سمير مرقص
(1) «الامتيازات الأجنبية وانطلاقة عملية الإلحاق ــ التجزئة»
قبل ربع قرن، صدر لنا كتاب «الحماية والعقاب: الغرب والمسألة الدينية في الشرق الأوسط»؛ تتبعنا فيه مسار علاقة الغرب بالإقليم. أشرنا فيه كيف أسست حملات الفرنجة إلى المنطقة.. التي انطلقت في القرن الحادي عشر، لثنائية الغرب والشرق. وكيف أتاحت الدولة العثمانية.. التي تأسست سنة 1516، أن تخترق القوى الأوروبية أركان تلك الدولة؛ من خلال الامتيازات الأجنبية. ففي أقل من عشرين سنة من تأسيسها، وتحديداً في سنة 1535، منح السلطان العثماني سليمان القانوني ملك فرنسا أول تلك الامتيازات (تلاها إنجلترا في 1579، وهولندا في 1598، وروسيا في 1700، والسويد في 1737، ونابولي في 1740،.. إلخ). وقد كان من شأن تلك الامتيازات.. أن «هيمن التجار الأوروبيون داخل مناطق الدولة العثمانية؛ ولا سيما في المرافئ والمدن التجارية الكبرى. وكلما ازدادت الهيمنة.. ازداد ضعف السلطنة، وتفكك مؤسساتها الإدارية والاقتصادية والعسكرية. وبالأخير، أصبح تجار الدول الأوروبية يشكلون – مع قنصلياتهم – جاليات أجنبية، تتمتع بسلطات مستقلة عن السلطة المحلية العثمانية، وتشكل إلى حد ما دولاً داخل الدولة». ما أسهم في إضعاف السلطنة ومن ثم خضوعها ـ فالإقليم ـ لعملية مزدوجة من: الإلحاق ــ التجزئة.
(2) «فضاء الشرق الأوسط في 110 سنة: أربع مراحل صراعية»
بدأت دورة أفول الدولة العثمانية خلال القرن التاسع عشر.. تحت ضغط الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والروسية، ما فتح الطريق نحو بداية تقسيم وتقاسم الإقليم مع مطلع القرن العشرين. مرت عملية التقسيم/التقاسم.. بأربع مراحل رئيسية متعاقبة كما يلي؛ المرحلة الأولى: من 1916 إلى 1945، حيث تقاسمت بريطانيا وفرنسا مستعمرات الإقليم وفق اتفاقية سايكس-بيكو. أما المرحلة الثانية: من 1945 إلى 1990، حيث انتقل الصراع حول الدول القومية.. المستقلة تباعاً في الإقليم بعد الحرب العالمية الثانية إلى المعسكرين الغربي والشرقي. ومع تفكيك الاتحاد السوفيتي بدأت مرحلة صراعية ثالثة: في الفترة من 1990 إلى 2010، عملت فيها الولايات المتحدة الأمريكية منفردة.. على إعادة تشكيل الشرق الأوسط.. للحفاظ على ضخ الثروات والموارد، وحماية أمن إسرائيل. ولكن مع مستهل العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، تمثلت المرحلة الرابعة: في حدوث تحوُّل جذري في الصراع حول الإقليم؛ إذ انتقل من الحالة الثنائية «التقاسمية»: الاستعمارية القديمة الفرنسية-البريطانية، والأمريكية-السوفيتية. والحالة الأمريكية المنفردة، إلى حالة تتعدد فيها القوى.
(3) «ماذا يعني هرم القوة الإقليمي»؟
غطى تحليلنا – في طبعته الأولى – ما جرى في الإقليم منذ القرن السادس عشر.. وحتى نهاية القرن العشرين. بيد أن التحولات التي شهدها العالم في الربع الأول من الألفية الثالثة (التي حرصنا على متابعتها، ويمكن الرجوع إلى مقالاتنا على مدى العقد الماضي في هذا المكان)، ولا سيما بعد انهيار نظام الأحادية القطبية، ودخولنا طور صراع الأقطاب.. أو ما بات يطلق عليه الحرب الساخنة، أو الصدام بين الإمبرياليات القديمة والجديدة الكبرى والوسطى والبازغة؛ قد كشفت عن دينامية جديدة، تعيد تشكيل الإقليم.. في ضوء العديد من القوى في إطار تراتبي هرمي للقوة. وقبل استعراض قوى هذا التراتب، نشرح ماذا نقصد بهرم القوة الإقليمي وذلك كما يلي؛ إنها البنية التي تتوزع فيها مستويات النفوذ والتأثير، وممارسة أنواع القوة المختلفة: الصلبة والناعمة والذكية والحادة،.. إلخ، من خلال القدرات المتنوعة التي تتمتع بها القوى المختلفة؛ عسكرية وتكنولوجية وصناعية وزراعية وثقافية وجيوسياسية وجيو اقتصادية..
(4) «تراتب جيو استراتيجي للقوى»
في ضوء ما سبق، يمكن استعراض قوى التراتب الهرمي كما يلي؛ تأتي أولاً: في قمة هرم القوة القوى الدولية القديمة والجديدة (الغربية الأمريكية الأطلسية والشرقية الأوراسية)، وهي القوى القادرة على التأثير في المجال الإقليمي.. عبر أدوات النفوذ العسكري، والاقتصادي، والتكنولوجي، والدبلوماسي. غير أن هذه القوى – على الرغم من ثقلها – لا تُنتج النظام الإقليمي بمفردها، بل تتفاعل مع المستوى الثاني من الهرم: القوى الإقليمية.. والمقصود بها الدول القادرة على تجاوز حدودها الوطنية، والتأثير في موازين القوى الإقليمية (حسب أحد الباحثين) من خلال أدوات عسكرية، أو أيديولوجية، أو اقتصادية، أو جيوسياسية؛ فهي دول تسعى إلى صياغة البيئة الإقليمية، أو التأثير في اتجاهاتها الكبرى، وتتنافس على النفوذ، وإدارة ملفات الأمن والطاقة والتحالفات. وثالثاً القوى المحورية: البشرية والثروية؛ وهي القوى التي تشكل – في الواقع – البنية الأساسية للإقليم، حيث تستند إلى الثقل السكاني، والموقع الجغرافي، والموارد الاقتصادية المتنوعة.
ويمكن إضافة رابعاً: تلك القوى غير النظامية (الجماعاتية: الجماعات المسلحة الدينية والإثنية، والشركاتية: الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، أو الفاعلون اللادولتيون)، التي يتم توظيفها من قبل القوى الدولية والإقليمية والمحورية في بعض الصراعات. وبعد، إن أطروحتنا حول هرم القوة الشرق أوسطي، يسعى إلى تقديم إطار تفسيري لفهم ما يجري في الإقليم (لمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى المقدمة الدراسية للطبعة المزيدة والمنقحة، قيد الطبع، من كتابنا الحماية والعقاب)، حيث تقوم هذه الأطروحة على أن الإقليم سوف يدار وفق إدارة جيوسياسية جديدة، تقوم على البنية الهرمية للقوى متعددة/ومتنوعة القوة؛ من خلال تقاطعات وتشابكات وتحالفات متغيرة.. بين قوى هذا الهرم. ما يعني تحولاً جذرياً عن الدينامية التي أدير بها الإقليم على مدى أكثر من قرن وعقد من الزمان. وبمعنى آخر، يمكن اعتبار «هرم القوة الإقليمي» إطاراً نظرياً.. يوجه فهمنا للإقليم، في صورته الآخذة في التشكل، واستشراف المسارات المحتملة لمستقبله خلال العقود المقبلة.
نقلاً عن «المصري اليوم»