Times of Egypt

نعيمة المصرية.. مطربة الدلع والوطنية

M.Adam
محمد أبو الغار 

محمد أبوالغار 

نشرت الباحثة الرائعة عاليا مسلم دراسة بالإنجليزية.. عن مطربة 1919 نعيمة المصرية، وصدرت الدراسة حديثاً في بيروت بعنوان (جندرة الأرشيف العربي). تتكلم عاليا عن تاريخ نعيمة موثقاً بالصور العائلية التي تحفظها ابنة حفيدتها هبة فريد. وتتساءل عن سبب عدم معرفة المصريين عن مطربة بهذه الأهمية، كانت نجمة المسرح الغنائي وأكثر مطربة طُبعت لها أسطوانات. درست عاليا الأرشيف والمجلات والصحف بدقة لتكتشف أن نعيمة كانت نجمة النجوم في ذلك الوقت.

استطاعت عاليا الحصول من المكتبة الموسيقية بالأوبرا على قائمة تحتوي على 22 أغنية بخط اليد لنعيمة.

وُلدت نعيمة عام 1894 وتزوجت وعمرها 15 عاماً وأنجبت ابنتها فردوس وطُلقت قبل ولادتها. وبينما تنشر الغسيل من البلكونة وتغني سمعتها جارتها المطربة عزيزة مظلوم فأقنعتها بالسفر إلى سوريا لتعلم العود والغناء، وعادت عام 1914. وسجلت نعيمة 150 أسطوانة وسُميت «ملكة الأسطوانات»، وكانت تغني من الإسكندرية إلى أسيوط.

وغنَّت في المسرح الغنائي كافة الأدوار من الطقطوقة إلى الأدوار وأصبحت صاحبة ملهى، وبالرغم من أنها كانت مطربة وملحنة وممثلة، لكنها غنت أغاني سيد درويش وداود حسني وزكريا أحمد وكتاب الأغاني مثل يونس القاضي.

وأصرَّت أن تتلقَّى ابنتها تعليماً جيداً، وكانت تسكن مع العائلة بجوار باب زويلة، وانتقلت لتعيش مع بنتها في حي بولاق الذي كان حياً فنياً مليئاً بالحياة ودخول وخروج الموسيقيين والمؤلفين.

وغنَّت عام 1914 أغنيتها الشهيرة التي ما زالت تُغنى اليوم من لحن سيد درويش:

خد البزة واسكت/ خد البزة ونام

انشالله أشوفك/ في وسط الجدعان

ولابس طربوشك/ نازل في الميدان

وتبذل مجهودك/ وتفدي الأوطان

وكانت تغني في مسرح الريحاني الشهير آنذاك في مسرحية «قولوله»، وعند وفاة سيد درويش أقامت نعيمة عزاءاً كبيراً له وغنت أدواره.

وحين كانت تعمل في أسيوط غنَّت «يا عزيز عيني»، وقد صاحبت الفترة التي تم فيها تشغيل الفلاحين مع الجيش الإنجليزي في الحرب العالمية الأولى. وتسأل عاليا: كيف استمرت هذه الغنوة حتى يومنا هذا؟! وأثناء ثورة 1919 كانت شجاعة وقائدة حين غنَّت أغنية «يا بلح زغلول».. حين كان اسم سعد زغلول ممنوع ذكره في الصحف أو الأغاني، وغنَّت ألحان سيد درويش أثناء الثورة. وعبَّرت عاليا عن استغرابها من عدم ذكر نعيمة كمغنية الثورة في ذلك الوقت. وقد طورت نعيمة أثناء الثورة أغنية خد البزة واسكت إلى أغنية ثورية

خد البزة واسكت خد البزة ونام

عمك سعد باشا طالب الاستقلال

خد البزة واسكت خد البزة ونام

دول هيكلفتونا بشوية كلام

وقد غنى الشباب أثناء ثورة 25 يناير أغنية خد البزة واسكت. 

نعيمة المصرية كانت غائبة تماماً عن الذاكرة المصرية، ولكن في احتفالات مئوية ثورة 1919 أزيح الستار عن نعيمة المصرية وأغانيها الوطنية في الكتب الجديدة والمقالات التي كُتبت آنذاك.

وكان مهماً بالنسبة لنعيمة أن يكوِّن الجمهور صورة عنها مخالفة لصورة العالمة التي تغني وترقص مثل الغوازي.

وغنَّت ليونس القاضي وزكريا أحمد بين 1925 و 1927:

تعالى يا شاطر نروج القناطر

هاودني ودينك ما تكسرلي خاطر

هاتلي الإزازة واقعد لاعبني

دي المزة طازة والحال عاجبني

هنيني بخفتك واسقيني بذمتك

وأغاني نعيمة في العشرينيات.. كتب الكثير منها الشيخ يونس القاضي الذي كتب «الخلاعة والدلاعة مذهبي»، «متخافش وتعالى يا شاطر»، وكذلك كتب نشيد بلادي بلادي. 

تقاعدت نعيمة عن عمر 42 سنة في عام 1936، وانتقلت إلى مصر الجديدة مع ابنتها وزوج ابنتها والأحفاد. وبعد زواج استمر 10 سنوات طُلقت ابنتها فردوس من زوجها بعد أن أنجبت 4 أطفال، فانتقلت لتعيش مع نعيمة أمها. وكانت فردوس مهنية وتعمل في مكتبها في شارع رمسيس، وكانت نعيمة تقيم حفلات الزار بصفة مستمرة في بيتها، وكانت تؤمن بالأرواح الشريرة وكيفية التخلص منها، كما كانت سخيَّة وتتبرع للعائلات الفقيرة، وكانت تواظب على قراءة القرآن حتى أطلقوا عليها لقب «شيخة».

وتقول عاليا مسلم إن أهالي بورسعيد والإسماعيلية يغنون على أنغام السمسمية، ويبدأون الغناء بمطلع أغنية لنعيمة المصرية «كله إلا كده». ثم تستطرد قائلة إنها كتبت تاريخ نعيمة المصرية لأنها استطاعت أن تكتشف روحها المتوثبة القفزة التي قدمتها في الغناء الثوري في 1919.

وقالت هبة فريد – بنت حفيدتها – إن نعيمة قررت التوقف عن الغناء عندما طلب عريس بنتها قبل الزواج ذلك، وقامت بتكسير جميع أسطواناتها الشخصية على ركبتها وألقت بها في الزبالة، وتفرَّغت لمساعدة الفتيات في المجتمع وعمل الزار، ولم تكتب شيئاً عن تاريخها، ولا سجلت أحاديث للراديو أو التليفزيون، ولا أدلت بأحاديث صحفية، وهذا سبب غموض تاريخها الفني، بالإضافة إلى النظرة الأبوية الذكورية التي أهملت المرأة.

تقول عاليا مسلم إنه: «بالبحث في الأرشيف وفي سجلات الأغاني القديمة، وتاريخ المسرح والمسرحيات، وحكايات العائلة.. استطاعت أن تسلط الضوء على مطربة مصرية عظيمة. ولكن يبقى دائماً الانطباع الراسخ في عقول المصريين، وهو ارتباط الفن عند المرأة بسوء السمعة والأفكار والآراء الذكورية بخصوص الشرف والأخلاق». 

هناك صعوبة في تحديد نوعية أغاني نعيمة التي كانت تقدم أغاني تقدمية وأغاني أنثوية ولم يستمع أحد لرأي المرأة التي استمعت لهذه الأغاني، سوف يكون من الصعوبة فهم كيف أنهت نعيمة عملها الفني، ولماذا حطمت أسطواناتها، ربما لتعلن هزيمتها، وربما لأنها لم تكن تستطيع أن تعيش وتعمل إلا في جو الحرية الكامل، ولكنها استمرت تعيش في بيت مفتوح النشاط ومليء بالزوار والأصدقاء.

نعيمة كافحت لتتعلم الموسيقى وتبدع فيها، وأصبحت أكثر مطربة لها أسطوانات، وكيف اشترت ناديا ليليا وأدارته وكيف فعلت كل ذلك وهي أم وبدون زوج. وفي النهاية تتحسَّر عاليا مسلم على المستوى الوضيع للأرشيف المصري المهمل الذي تم سرقته وبيعه. 

الوثائق المصرية تحتاج لرعاية، وحفظ، ومنع السرقة، والإهمال في الحفظ،؛ لأن حالتها أصبحت مزرية، والأرشيفات الخاصة تم بيعها إلى الخارج.

(قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك)

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة