د. أحمد يوسف أحمد
في 1968 كتب المرحوم حاتم صادق، أول مدير لمركز الأهرام للدراسات، قبل أن يكتسب اسمه الحالي كتاباً بهذا العنوان؛ انعكاساً لإدراكه الخطر المُحدِق بمصر وأمتها العربية بعد عدوان 1967، ولو كان حياً بيننا اليوم.. لهاله الحد الذي تفاقم له هذا الخطر، بعد ما يقرب من ستة عقود؛ ففي حينه، تمثل الخطر في تداعيات العدوان.. المتمثلة في استكمال إسرائيل احتلالها أرض فلسطين، وإضافة سيناء والجولان إليها، بكل ما ترتب على هذا.. من مهام جسيمة وعاجلة.
أما اليوم، فإن إسرائيل لا تحاول فحسب.. استكمال مشروعها الإحلالي في فلسطين، وإنما يتجرأ رئيس وزرائها.. على التصريح بأنه يعتبر مشروع إسرائيل الكبرى – الذي يلغي دولاً عربية من خريطة العالم – مهمة تاريخية ودينية. بل ويعلن – ويعمل على تنفيذ – رؤيته للشرق الأوسط، التي تقوم صراحة.. على أنه لا صوت يعلو على صوت إسرائيل فيه. لم تفضِ الهزيمة المُرة إلى استسلام أي من الدول التي هُزمت، بل إن الشعب المصري.. رفض الهزيمة منذ اللحظة الأولى؛ لتأكده من وقوعها، وتمسك بقائده.. الذي أعلن – بشجاعة – مسؤوليته الكاملة عنها، وقبل التفويض الشعبي الجديد، وتصرف من فوره.. بمقتضاه، وأعاد تنظيم القوات المسلحة، التي ظُلمت ظلماً بيناً في مواجهة العدوان؛ فكانت النتيجة إتيانها بما يشبه المعجزات.. منذ الشهر التالي للهزيمة.. في معارك رأس العش، والغارات الجوية على المواقع الإسرائيلية في سيناء، وإغراق المدمرة إيلات، وعبور القوات المصرية المتصاعد.. لسيناء، والعمليات الخارقة للضفادع البشرية المصرية في ميناء إيلات، وغير ذلك من بطولات حرب الاستنزاف وأمجادها.. التي أفضت في النهاية لحرب أكتوبر المجيدة.
ولم تكن مصر وحدها.. في هذه المعارك التاريخية، وإنما تمت بالتنسيق الكامل مع القيادة السورية، حتى وصلنا لساعة الصفر المشتركة.. في حرب أكتوبر 1973، وكذلك بتنسيق مع ودعم من الدول العربية، كما تبدَّى من قمة الخرطوم في أغسطس/سبتمبر 1967.. التي وضعت استراتيجية سياسية عربية موحدة للمواجهة، وتمت فيها المبادرة بتقديم دعم مالي لدول هذه المواجهة، لتمكينها من استكمال استعداداتها لمعركة حتمية مع إسرائيل. وكان لافتاً، أن الدعم أتى من ثلاث دول عربية محافظة، تعبيراً عن حقيقة أن إسرائيل تمثل خطراً على الأمة العربية كلها.. بثورييها ومحافظيها، فجاءت حرب أكتوبر 1973.. معادلة نموذجية للأمن القومي العربي؛ بعمل عسكري مصري-سوري مشترك، وقوات من تسع دول عربية.. تحارب على جبهتي مصر وسوريا، ناهيك بتوظيف سلاح النفط في المعركة، والتنسيق الاستراتيجي بين مصر واليمن.. الذي مكن القوات البحرية المصرية من إغلاق مضيق باب المندب.. في وجه إسرائيل طوال المعركة.
أما اليوم، فلا يمكن الادعاء بوجود رؤية عربية مشتركة.. لمواجهة الخطر الإسرائيلي؛ المُتَرْجَم عملياً في عمليات الإبادة الجماعية المستمرة في غزة.. منذ أكثر من سنتين.. رغم وقف إطلاق النار، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.. بدعاوى زائفة.. خلافاً لاتفاق نوفمبر 2024، والعربدة الإسرائيلية في سوريا.. رغم التوجهات السلمية لحكامها الجدد، وصولاً إلى التخلي رسمياً عن الجولان. ناهيك بتحركاتها الأخرى – التي سآتي لها لاحقاً – بل إن الرؤية العربية غائبة.. حتى في الموقف من المقاومة الفلسطينية، التي يُفترض أنها تمثل رقماً مهماً.. في كبح جماح التوسع الإسرائيلي. ويلقي هذا الغياب بعبء خاص على مصر.. تتحمله بكل مسؤولية.
ولا يقل عن هذا، خطر الانقسام الداخلي الذي يشهده عديد من الدول العربية، ولا ترتد انعكاساته إلى كوارث تتعلق بهذه الدول ذاتها – كما نشهد الآن في اليمن والسودان وسوريا وليبيا والصومال، وغيرها.. وإن بدرجة أقل – وإنما تمتد للتأثير على الأمن القومي العربي؛ حيث يمثل هذا الانقسام.. دعوة وفرصة.. للتدخل الخارجي؛ كما ظهر من التدخل الإيراني لنصرة الحوثيين في اليمن، وكما تابعنا تصريحات رئيس المجلس الانتقالي في عدن.. صاحب مشروع فصل الجنوب عن الدولة اليمنية، إبان زيارته للولايات المتحدة في سبتمبر الماضي.. لصحيفة The National، بأن الانفصال «سيمكن الجنوب من اتخاذ قراراته الخاصة به في السياسة الخارجية، بما في ذلك خيار الانضمام لاتفاقات أبراهام»؛ وهو ما يفسر حالة السعادة البادية في الصحافة الإسرائيلية.. من متابعتها لمحاولة وضع مشروع انفصال جنوب اليمن.. موضع التطبيق. كذلك فإن الانقسامات الراهنة في سوريا.. هي التي تسمح لإسرائيل بالتبجح.. بادعاء أن تدخلها في أخص الشؤون الداخلية في سوريا، إنما هو لحماية الطائفة الدرزية فيها. وهناك أيضاً.. التدخلات الإقليمية والدولية، في الانقسام الراهن في ليبيا.
وأخيراً وليس آخراً فإن انقسام الصومال من مطلع تسعينيات القرن الماضي، هو ما سمح لنيتانياهو بتحركه الأخير.. للاعتراف بأرض الصومال؛ التي لا يعترف بها أحد سواه. ولا تخفى خطورة هذا التطور.. على الأمن العربي، رغم سخافة ما يدعيه مسئولو أرض الصومال؛ من أن الهدف من إقامة علاقات مع إسرائيل.. هو التعاون الاقتصادي.
كان معتاداً في هذه الظروف الخطيرة، أن يدعو المخلصون لقمة عربية، بل إن القمم كانت تُعقد – في السابق – لأسباب لا تُقارن بالمخاطر التي تتعرض لها الأمة العربية الآن؛ فقد دعا عبدالناصر لقمة عربية في ديسمبر 1963، للنظر في مواجهة المشروعات الإسرائيلية لتحويل مجرى نهر الأردن، بينما يشمل الخطر الآن.. الأمة بأسرها. ودعا في 1970.. لقمة، عُقدت في اليوم التالي لدعوته.. لوقف إراقة الدم العربي؛ بسبب صدام السلطة الأردنية والمقاومة الفلسطينية، بينما تُراق الدماء العربية في فلسطين منذ أكثر من سنتين، وكذلك في لبنان وسوريا واليمن.. دون رد فعل عربي جاد.
… غير أن أخشى ما أخشاه، أن أي دعوة لقمة عربية الآن، سوف تكشف مدى الانقسام الراهن في النظام العربي؛ سواء عُقدت القمة أم لم تُعْقَد. وهو ما يدفعنا لضرورة شحذ التفكير.. بحثاً عن آليات – ذات جدوى – للإنقاذ، وتتحمل مصر بسياستها الخارجية الوازنة.. مسؤولية خاصة في هذا الصدد.
نقلاً عن «الأهرام»