زاهي حواس
لا نعرف بالضبط الظروف التي بُني فيها مسجد وضريح سيدي أبوالحجاج الأقصري، أحد أشهر أولياء مصر الصالحين، والذي لا تزال ذكراه باقية في الوجدان الشعبي بالأقصر منذ العصر الأيوبي وإلى يومنا هذا، ويتم الاحتفال بمولده في ميقات محدد من كل عام، وقد لفتت طقوس الاحتفال السنوي بمولده اهتمام علماء المصريات؛ لا لسبب.. سوى لأنها تشبه الاحتفال السنوي الفرعوني القديم.. بواحد من أشهر أعياد الفراعنة الدينية؛ الذي كان يُعرف بعيد «الأوبت».
هو يوسف بن عبد الرحيم بن يوسف بن عيسى – المعروف بأبي الحجاج الأقصري – وينتهي نسبه إلى الإمام الحسين بن علي، كرم الله وجهه. وُلد في بغداد، في منتصف القرن السادس الهجري، ومات في الأقصر التي استقر بها معظم سنوات عمره، التي تخطت التسعين عاماً، حيث مات في عام 642 هجرية، في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب، وقد دُفن في الضريح الموجود بالمسجد.. الذي بُني على جزء من أطلال معبد الأقصر، ولا يزال إلى يومنا هذا يحمل اسم مسجد سيدي أبوالحجاج الأقصري. وبالحكم على الطراز المعماري للمسجد – الذي هو أقرب للطراز الفاطمي منه للطراز المملوكي في عصر الدولة الأيوبية – يمكننا أن نؤكد أن المسجد كان موجوداً بالفعل.. في حياة سيدي أبوالحجاج، وقد أُضيف إليه الضريح بعد وفاته.
يقع المسجد على يسار الداخل إلى معبد الأقصر.. بعد الصرح الأول مباشرة للملك رمسيس الثاني. وقد أكدت الحفائر التي أُجريت في معبد الأقصر حقيقة مثيرة للاهتمام، وهي أن المسجد بُني على أطلال كنيسة.. كانت قد بُنيت هي الأخرى على أطلال المعبد؛ خاصة الجزء الذي شيَّده الملك رمسيس الثاني في معبد الأقصر، مركز عبادة الإله آمون كا موت إف، وهو أحد أشكال الإله آمون رع – المرتبط بصفة الخصوبة؛ حيث إن الاسم (آمون كا موت إف) يعني «آمون ثور أمه» – وقد عُرف معبد الأقصر باسم «إيبت رسيت»، بمعنى «الهيكل أو مقصورة العبادة الجنوبية»، وذلك تمييزاً عن معبد الكرنك.. الواقع إلى الشمال من معبد الأقصر، وهو مركز عبادة آمون.
وفي ميقات محدد من كل عام، كان الفراعنة يحتفلون بعيد «الأوبت»، وفيه يخرج المركب المقدس للإله آمون – وعليه تمثاله الذهبي داخل مقصورته – على ظهر المركب الموضوع على محفة.. يحملها شباب الكهنة وخدَمة المعبد على أكتافهم، في موكب مهيب.. يخرج من الكرنك إلى معبد الأقصر سيراً على طريق الكباش، وذلك لزيارة هيئته القديمة (آمون كا موت إف).. لتجديد شحنة الخصوبة. بعدها يعبر الموكب المهيب النيل.. لزيارة المقاصير الغربية بمدينة هابو والمعابد الجنائزية للملوك، ويمر الموكب المهيب بمقابر الأشراف، ليبارك القرابين المقدمة.
كان هذا العيد فرصة كي يلبي وحي آمون حاجات الناس، ويجيب عن أسئلتهم، ويمنحهم المشورة والنصح، وذلك قبل أن يعبر عائداً إلى بيته.. داخل قدس الأقداس بمعبد الكرنك.
كان الاحتفال بـ«عيد الأوبت» من أهم الاحتفالات الدينية التي اهتم بها الفراعنة، خاصة في عصر الدولة الحديثة؛ حتى إن الملكة حتشبسوت قامت بعمل شبكة عظيمة من الطرق الممهدة، وبناء مقاصير الاستراحة لموكب الإله.. على طول مسار الموكب من الشرق إلى الغرب. كانت مظاهر الاحتفال وطقوس عيد الأوبت تستمر لعدة أيام.. تتزين خلالها العاصمة الدينية (الأقصر)؛ التي كانت ولا تزال أجمل مدينة باقية من العالم القديم. وقد سُجلت كل فصول عيد الأوبت على جدران معبد الأقصر.. بكل التفاصيل في مناظر مثيرة للاهتمام، تعود إلى عصر الملك توت عنخ آمون.
الغريب في الموضوع، أنه بعد انتهاء الحضارة الفرعونية بأكثر من 1200 سنة، تعود مشاهد عيد الأوبت للحياة مرة أخرى.. عند الاحتفال بمولد سيدي أبوالحجاج! وحقيقةً لا نعرف ما إذا كان الاحتفال بمولده قد تم.. بمجرد وفاته، ورفعه إلى مصاف الأولياء، أم أن الأمر انتظر عدة سنوات – أو ربما قروناً – للاحتفال بمولده! ولكن الأمر المؤكد.. أن ذكرى ومشاهد الاحتفال بعيد الأوبت كانت محفوظة في الوجدان المصري، خاصة المشاهد الرئيسية من حمل المركب المقدس والطواف به.
وعندما بدأ الاحتفال بمولد سيدي أبوالحجاج، تمت إعادة إحياء الطقوس القديمة.. لأسباب لا نعلمها، سوى كونها جزءاً من الذاكرة المصرية الأصيلة. ولعل تحوُّل المعابد الفرعونية إلى أديرة وكنائس ومساجد، يؤكد حقيقة واحدة؛ كون فكرة أن المكان مخصص للعبادة، وأن تغير المفاهيم والسلوك الديني.. لا ينفي أن الجميع قد اتفق على قدسية المكان، لإقامة المصلى الخاص به لعبادة الإله.
يتم الاحتفال بمولد سيدي أبوالحجاج في شهر شعبان، وتستمر الاحتفالات لعدة أيام.. وصولاً لما يُعرف بالليلة الكبيرة أو الليلة الختامية في الرابع عشر من شعبان. ومنذ سنوات بعيدة، يقوم أعيان الأقصر بالتكفل بإقامة المولد بكل شعائره المثيرة للاهتمام؛ ومنها طواف مركب سيدي أبوالحجاج. وعلى هامش الاحتفال بالمولد تُقام مسابقات الفروسية والتحطيب، وحلقات الذكر والإنشاد الديني. وقد قام عدد من الباحثين الأجانب بتوثيق مظاهر الاحتفال بالمولد ودراستها، وربطها بالمناظر الفرعونية المصورة على جدران معبد الأقصر، بل تم إنتاج فيلم وثائقي.. يروي كيف أن الماضي لا يموت، وينتظر اللحظة أو الظروف المناسبة لكي يطفو مرة أخرى.. على سطح الذاكرة الإنسانية.
ويبقى دور وزارة الثقافة المصرية.. في توثيق هذا المولد الشعبي بكل طقوسه، وتسجيله.. باعتباره تراثاً شعبياً، تمتد جذوره إلى الماضي.. حيث كانت الحضارة المصرية القديمة هي منارة التحضر الإنساني في العالم القديم.
نقلاً عن «المصري اليوم»