Times of Egypt

من دروس نهضتنا: الترجمة ومدرسة الألسن «1»

M.Adam
د. أحمد زكريا الشلق 

د. أحمد زكريا الشلق

عندما تصحو الأمم من كبوتها – أو غفوتها – و«تنهض».. لترى أسباب ما حاق بها من ضعف أو هزيمة، وتعي الدرس، وتعلم بأي أسلحة انتصر عليها خصومها؛ التي تكمن في استخدام العقل والعلم والصناعة، تكون قد وضعت أقدامها على الطريق الصحيح. 

هذا هو الدرس الذي أدركه محمد علي – عندما جاء إلى مصر ليشارك في إخراج المحتلين الفرنسيين منها – فوعى تجربة الغزوة الفرنسية وما فعلته بمصر. وما أن انفرد بحكم مصر، حتى صار يخطط للبقاء فيها.. لثقته بأنها يمكن أن تكون قاعدة لملك عظيم، ودولة كبرى يحكمها هو.. وأبناؤه من بعده، لذلك شرع يعمل على انتشالها من وهدة الخراب والفساد.. الذي حاق بها خلال العصر العثماني المملوكي. ورأى أن السبيل إلى ذلك؛ أولاً: هو الإمساك بعناصر القوة والسلطة جميعاً بين يديه؛ فألغى نظام الالتزام، ليوفر لخزينته أموالاً.. كانت تذهب لجيوب الملتزمين، وقضى على سلطة المماليك نهائياً عام 1811. 

يُعتبر هذا العام، هو بداية سياسته الإصلاحية؛ حين رأى أن يتخذ سبيله إلى إصلاح أحوال البلاد، موقناً أن ذلك لن يتم.. إلا بالاتجاه نحو الغرب، والاقتباس من نظمه، والنقل عن علومه؛ فبدأ باستخدام الخبراء الأجانب، ثم ثنَّى بإرسال المصريين في بعثات إلى أوروبا، ثم ثلَّث بإنشاء مدارس من الطراز الحديث.. على النظام الأوروبي. ولتدريس هذه النظم الجديدة، كانت وسيلته الكبرى للنقل عن الغرب.. هي الترجمة.

وفي دراسته القيِّمة، تتبَّع الدكتور جمال الدين الشيال «تاريخ الترجمة والحركة الثقافية» في عصر محمد علي.. منذ إعداد المترجمين من خريجي المدارس والبعثات، إلى اختيار الكتب وطريقة ترجمتها، إلى مراجعتها وتصحيحها، حتى مرحلة الطباعة. لذلك أفرد فصولاً مهمة.. لتلك المؤسسة العلمية الكبرى التي أنشئت لخدمة هذه الحركة، وهي «مدرسة الألسن»، وقلم الترجمة الملحق بها. ثم لطلائع النهضة الثقافية.. الذين أسهموا في هذه الحركة، من مترجمين ومصححين. 

ومن المهم، أن نذكر لرفاعة الطهطاوي.. أنه عندما رأى محمد علي معنياً بالترجمة، تقدَّم إليه باقتراح أن يأذن له بافتتاح مدرسة للترجمة، تُعلم فيها الألسن الشرقية والغربية، وبعض المواد المساعدة.. كالتاريخ والجغرافيا والرياضة، ليقوم خريجوها بترجمة الكتب في العلوم المختلفة.

… الحاصل، أن محمد علي لم يندفع في حركته الإصلاحية نحو الغرب.. اندفاعاً كلياً، بل حاول أن يوائم بين حاجات مصر – وتراثها الشرقي – وبين ما يريد أن يستورده من إصلاحات ونظم وعلوم غربية؛ فهو – بوسائله جميعاً – «حاول أن ينقل الغرب إلى مصر، ليحقق أهدافه ومُثله العليا.. في الإصلاح، لكنه لم يحاول البتة أن ينقل مصر إلى الغرب. وإنما احتفظ لها بروحها وتقاليدها. بل إنه حاول – في كثير من الأحيان – أن يمزج بين الخير في العالمين.. الشرقي والغربي، فأقام النهضة المصرية الحديثة.. على أسس متينة صحيحة». 

لم يكن الباشا متطرفاً في النقل عن الغرب، وإلا لأبقى أساتذة الغرب، وجعل التعليم في مدارسه بلغات الغرب، لكنه كان حصيف الرأي، بعيد النظر، فاحتفظ لمصر بلغتها وقوميتها، ونقل إليها علوم الغرب.

وقد كتب «الشيال» كذلك، عما سمَّاه «الأدوات غير المباشرة للترجمة في عصر محمد علي، وعن خطة إصلاحه الوسط.. بين الاستشراق والاستغراب»، وعن وسائله للإصلاح؛ المتمثلة في استخدامه للأجانب، ثم الاستغناء عنهم، وإحلال المصريين محلهم. ثم إرسال البعثات إلى أوروبا، وإنشاء المدارس، وكانت وسيلته لذلك.. أن يمهد السبيل إلى ترجمة كثير من الكتب الأجنبية إلى العربية أو التركية، ليسهل على أبناء البلاد الاستفادة منها، لكنهم كانوا يتلكأون ويهملون أعمالهم. لذلك أرسل البعوث إلى أوروبا. وعاد الكثيرون من أعضاء البعثات، وتولوا الكثير من الأعمال والوظائف، وترجموا الكثير من الكتب. ثم رأى أن ينشئ المدارس المختلفة.. لتعليم أبناء البلاد تعليماً منظماً؛ فأنشأ مدارس الطب والهندسة والزراعة والحربية، كما أنشأ مدرسة الألسن. ثم رأى أنه لا بد من وجود مدارس أخرى.. لإعداد الملتحقين بهذه المدارس، ففتح مدارس «المبتديان» والمدارس «التجهيزية».

وفي فصل مهم – من الكتاب الموثق «تاريخ التعليم في مصر» – كتب أستاذنا الدكتور أحمد عزت عبدالكريم.. عن المدارس الفنية والصناعية التي أنشأها محمد علي باشا، وذكر أنه كان يرى – وقد نظم حكومته.. على أساس وطيد، وقسَّمها دواوين وأقلاماً – أن يكون له عمال يتقنون فن الكتابة.. على أساس حديث منظم. وكانت فئات محدودة.. تحتكر الكتابة في الدواوين، وجباية الأموال، والصيرفة. وكان احتكارهم لهذه الأعمال.. مما لا ترتاح إليه الحكومة، فأراد محمد علي أن يكوِّن موظفين يقومون على هذه الأعمال؛ فأنشأ لذلك ما عُرف آنذاك بـ«مدرسة المحاسبة» عام 1837، على أن المدرسة لم تلبث بعد سنتين من إنشائها.. أن أُلغيت، وضُم تلامذتها إلى تلاميذ مدرسة المبتديان.

وقد اقتضت النظم والمؤسسات.. الحربية والاقتصادية والتعليمية الحديثة – التي أدخلها الباشا إلى مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر – أن تنشأ إدارة منظمة.. توفر لها أسباب القوة والنجاح، وتمكِّن الحكومة من أن تبسط عليها من إشرافها الدقيق، ما يتيح لها أن توجه هذه النظم والمؤسسات إلى الطريق الذي تبتغيه، فلم يكن هناك بد للحكومة من إنشاء مدارس لتخريج الموظفين.. ليتولوا أمور «الدواوين والمصالح والأقلام». ومن ثم كانت «مدرسة الإدارة الملكية» – التي أنشئت سنة 1834- وكان من أغراض هذه المدرسة.. تخريج مترجمين وموظفين لفروع الإدارة المصرية. والحاصل، أن حياة المدرسة كانت قصيرة، إذ ألغيت ونقل تلاميذها إلى مدرسة الألسن عام 1836.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة