د. أحمد يوسف أحمد
كنت قد كتبت، اعتباراً من مايو الماضي (2025).. سلسلة مقالات عن «نهاية إسرائيل»، ثم شروط هذه النهاية؛ وذلك اعتماداً على خبرات حركات التحرر الوطني التي نجحت في تصفية الظاهرة الاستعمارية. ورغم أن ردود فعل هذه المقالات.. أشارت إلى أنها استُقْبِلت بجدية، إلا أن الأمر لم يَخْلُ من وصف المحتوى – من البعض – بأنه حالة من حالات «أضغاث الأحلام»، وهأنذا أواصل هذا النوع من التفكير.. بمحاولة تشريح الوضع الراهن للحالة الإسرائيلية؛ فعنوان المقال لا يشير إلى «معضلة إسرائيل» بالنسبة لنا، ولكن إلى المعضلة التي تواجهها إسرائيل ذاتها. وقد تبدو هذه المحاولة غريبة.. في توقيت تبدو أذرع إسرائيل فيه باطشة بشعوب ودول عديدة.. في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن وإيران، فضلاً عن أصابعها التي تعبث في بلدان أخرى، وهو ما جعل نتنياهو يتباهى بأن إسرائيل قد أصبحت قوة إقليمية عظمى، تلامس مصاف القوى العالمية، لكن الحديث عن معضلة إسرائيل.. ينبع من اعتبارين ؛ يتعلق أولهما: بجدوى الممارسات الباطشة للقوة الإسرائيلية. والثاني: بتداعياتها.
وبالنسبة للجدوى، يُلاحظ أن النجاح الأساسي لإسرائيل.. الناجم عن التوظيف المُفْرِط لقوتها، يتمثل في القتل والتدمير بامتياز؛ ففي غزة.. نجاحت في تسوية معظم مظاهر الحياة بالأرض، مع اعتراف بقتل 70 ألفاً من أهلها، وفي الضفة.. تدمير وقتل – وإن على نطاق أضيق – سواء من الجيش أو المستوطنين، وتغول استيطاني على نحو غير مسبوق، وفي لبنان تكرار لنموذج غزة بالتدمير والقتل، ومزيد من الاحتلال مع اختلاف.. في التفاصيل.
وفي سوريا – ورغم وصول نظام جديد للحكم، لم يترك مجالاً لشك في نواياه السلمية تجاه إسرائيل.. وهي نوايا معروفة جذورها ومظاهرها – إلا أنها فاقمت من احتلالها الأرض السورية، ودمرت الجيش السوري، وتدخلت فعلياً في الشأن الداخلي السوري.. لحماية دروز سوريا، لدرجة منع الجيش السوري من التدخل في المنطقة الدرزية. وفي اليمن، ردت على ضربات الحوثيين.. بهجمات جوية ضارية على أهداف عسكرية ومدنية، كما هاجمت – مع الولايات المتحدة – إيران في يونيو 2025، والآن منذ نهاية فبراير الماضي.
وتتمثل معضلة إسرائيل.. في أن كل هذا التوظيف المتوحش للقوة، لم يُفضِ لثمرة سياسية؛ ففي غزة مازالت حماس موجودة بسلاحها، ومعها فصائل المقاومة الأخرى. والأهم، أن الشعب الفلسطيني مازال صامداً، بل ويعمل أقصى ما في وسعه.. لمواصلة حياته الطبيعية.. في ظروف غير مسبوقة في شدتها وقسوتها. وأكتفي هنا، بالإشارة للجهود التي لا تُصَدَّق.. لإعادة بناء النظام التعليمي من الصفر، وهي جهود لا شك تصيب المسؤولين الإسرائيليين بالإحباط والغم. وفي لبنان، فاجأ «حزب الله» خصومه وأصدقاءه بأدائه القوي.. في المواجهة الأخيرة مع إسرائيل، بعد أن كان الجميع يتوقع أن تكون الضربات الشديدة – التي تعرض لها اعتباراً من سبتمبر 2024 – قد قصمت ظهره.
وعلى الرغم مما يمكن وصفه بأنه إنجاز سياسي لإسرائيل على الجبهة اللبنانية، يتمثل في بدء مفاوضات مباشرة رسمية مع لبنان، فإن أهداف إسرائيل وممارساتها فيه.. لا تُبَشر بخير، ناهيك بأن التفاوض مع إسرائيل مازال لا يحظى بإجماع وطني، مع استمرار رفض «حزب الله» – والقوى المتعاطفة معه – النهج التفاوضي للحكومة اللبنانية. ورغم السيادة الجوية المطلقة لإسرائيل والولايات المتحدة في إيران، وآلاف الطلعات الجوية على أهداف عسكرية ومدنية.. بأشد القنابل فتكاً، فقد بقيت صامدة حتى وقف إطلاق النار، بل تمكنت من توجيه ضربات موجعة لإسرائيل وأهداف أمريكية، ناهيك بالتأثيرات التي طالت أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية، التي مثلت ضغطاً يُعتد به على القرار الأمريكي.
أما تداعيات الممارسات الباطشة للقوة، فلا تقل خطورة عما سبق؛ وذلك لأن الإفراط في التوحش – وبالذات في الحالة الفلسطينية – قد أفضى إلى تحولات حقيقية في الرأي العام العالمي.. في الدول التي عُرِفت تقليدياً بتأييدها لإسرائيل، والمثال الأبرز في هذا الصدد، يأتي من أوروبا بصفة خاصة؛ فقد بدأت التحولات على الصعيد الشعبي أولاً، ثم وصلت للمستوى الرسمي.. في دول أظهرت حكوماتها مواقف رافضة للسياسات الإسرائيلية بوضوح. وإذا كان هذا السلوك متوقعا..ً من حكومات كالحكومتين الإسبانية والأيرلندية، فمن كان يتخيل أن تتخذ الحكومة الإيطالية – اليمينية – قراراً في أبريل الماضي.. بتعليق التجديد التلقائي لاتفاقية التعاون الدفاعي والعسكري مع إسرائيل؛ بسبب الهجمات الإسرائيلية على لبنان. بالإضافة للاحتكاكات بين الجيش الإسرائيلي وقوات «اليونيفيل».. التي تشارك فيها إيطاليا.
بل إن هذه التحولات امتدت لداخل الولايات المتحدة.. الحصن الحصين لإسرائيل، وقد بدأت أول مظاهر هذه التحولات في بعضٍ من أهم الجامعات الأمريكية.. في أواخر رئاسة بايدن، ثم وصلت لأوساط الكونجرس.. لدرجة أن ترامب اعترف علناً بتراجع النفوذ الإسرائيلي فيه، وبأن تأييد إسرائيل أصبح يهدد المستقبل السياسي لمن يجاهر به، بل لقد امتد التحفظ على السياسة الإسرائيلية وانتقادها ..إلى حركة «ماجا» – التي تُعد قاعدة التأييد الرئيسية لترامب – ويُهدد هذا كله.. بتقلص قاعدة التأييد الدولية؛ وبالذات الأمريكية.. التي اعتمدت إسرائيل عليها طويلاً في تمرير سياساتها ودعمها. وتُظْهر مؤشرات كثيرة، أننا يمكن أن نشهد هذا التراجع في التأييد.. مع الرئيس الأمريكي التالي لترامب، على النحو الذي بدأ بالفعل في أوروبا، وأماكن أخرى كأستراليا على سبيل المثال.
وإذا استمرت السياسة الإسرائيلية.. على ما هي عليه من توحش لازمها منذ نشأتها، ووصل ذروته بحربها الأخيرة على غزة والضفة ولبنان واليمن وإيران، فإن مقومات السيناريو الجنوب الأفريقي ستبدأ في التشكل؛ بمعنى فرض عقوبات دولية عليها، تمهد لتقويض نظامها العنصري، ولنتذكر أن ثماني سنوات فقط.. قد فصلت بين صدور القرار 591 لعام 1986، الذي عزز العقوبات على النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وبين تفكيكه نهائياً في 1994. على أن التعجيل بهذا السيناريو، يحتاج عمل من أجل وحدة الصف الفلسطيني والعربي.. اللذان مازلنا بعيدين عنهما للأسف.
نقلاً عن «الأهرام»