Times of Egypt

معرض فيتور في إسبانيا

M.Adam
زاهي حواس

 زاهي حواس 

سافرتُ إلى مدريد، بدعوة من شركة إكسلاند للسياحة، لإلقاء محاضرة عن الاكتشافات الأثرية. ومنذ اللحظة الأولى.. تأكدت أن هدف الشركة لم يكن الترويج لنفسها، بقدر ما كان الترويج للسياحة في مصر. فقد تم تنظيم المحاضرة في قاعة مؤتمرات عامة، وليس داخل مقر الشركة، وتوجيه الدعوة للجمهور كافة. وقد ألقيتُ المحاضرة في اليوم الأخير من معرض فيتور الدولي للسياحة هناك.

لم تكن المرة الأولى التي أحاضر فيها في مدريد؛ فقد سبق أن ألقيتُ محاضرة حضرتها الملكة صوفيا، ثم حاضرت مرة أخرى داخل القصر الملكي، عندما استقبلتني الملكة وقدمتُ لها كتاباً بعنوان The Secret Voyage» الرحلة السرية»، وهو كتاب ضخم مصوَّر يوثّق آثار مصر كافة، أعد صوره المصوِّر الإيطالي ساندرو فانيني، وقد صدر في نسخ مُرقَّمة محدودة.

يُقام المعرض الدولي للسياحة سنوياً في مدريد، وذلك منذ عام 1981، ويُعد اليوم من أكبر وأهم المعارض السياحية في العالم. وخلال أيامه تُعقد مؤتمرات وجلسات حوارية تناقش أهمية السياحة، ومشاكل ومعوقات السياحة، وذلك بمشاركة عدد كبير من الشركات السياحية من مختلف دول العالم، إلى جانب صُنَّاع القرار، وغالباً ما يحضره الوزراء المختصون بالسياحة ووسائل الإعلام الدولية.

وقد سعدتُ كثيراً بمشاهدة جناح خاص لفلسطين داخل المعرض، كما شاركت مصر بجناح مميز.. أقامته هيئة تنشيط السياحة، صُمِّم على هيئة معبد فرعوني، ونال إعجاب جميع الزائرين، لذلك اختير كأفضل جناح في المعرض. وقد ترأس الوفد المصري الوزير النشط شريف فتحي وزير السياحة والآثار، الذي قام بعقد العديد من اللقاءات مع صُنَّاع القرار في مجالات السياحة والطيران، وكان يرافقه عدد من ممثلي هيئة تنشيط السياحة، وعلى رأسهم الرئيس التنفيذي للهيئة المهندس أحمد يوسف. 

كان الترويج لمصر في الأسواق الأوروبية – خاصة في مجالي السياحة الثقافية وسياحة الشواطئ – هو الهدف الرئيسي. وقد بات العالم كله على قناعة تامة بأن مصر دولة آمنة، خصوصاً بعد افتتاح المتحف المصري الكبير في الأول من نوفمبر الماضي، بحضور 43 ملكاً وملكة ورئيس جمهورية، وهو حدث وجَّه رسالة واضحة إلى كل شعوب الأرض. وقد انعكس ذلك بوضوح على الإقبال السياحي، حتى إن عدداً كبيراً من الأجانب لا يجدون تذاكر لدخول المتحف المصري الكبير. ويؤكد لي صديقي الدكتور أحمد غنيم، المدير التنفيذي للمتحف المصري الكبير، أن الإقبال غير مسبوق في تاريخ المتاحف العالمية، إذ يستقبل المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.

وقد قمتُ بزيارة المتحف في وقت الإغلاق.. الساعة السادسة مساءً، ولاحظتُ مستوى عالياً من الانضباط والتنظيم؛ حيث يقوم أفراد الأمن بعملهم على أكمل وجه، بينما يعمل فريق آخر على أعمال النظافة، وإزالة بصمات الزائرين من على فتارين العرض، وآخرون يقومون على تنظيف المتحف بالكامل. ما رأيته يعكس نظاماً إدارياً راقياً وإدارة ناجحة، ولهذا أتوجه بالشكر إلى الدكتور أحمد غنيم على هذا الأداء المتميز.

أُقيم معرض فيتور الدولي للسياحة في الفترة من 21 إلى 25 يناير 2026، وهي الدورة الـ 46، التي شارك فيها أكثر من 9500 عارض من 152 دولة حول العالم، إضافة إلى آلاف الزوار الراغبين في معرفة برامج وأسعار السفر. ويُعد المعرض منصة استراتيجية لتبادل الخبرات، والتعاون بين الشركات العالمية. وقد أعلن المنظمون أن أهداف المؤتمر هذا العام تتمثل في الاستدامة والابتكار في السياحة، والتحول الرقمي، واستخدام التقنيات السياحية الحديثة، وتعزيز التواصل السياحي العالمي.

وشهدتُ، خلال المعرض، تواصلاً واضحاً بين مختلف الجهات المعنية بالسياحة، بحضور الوزير شريف فتحي ولقائه سفير مصر في إسبانيا، إضافة إلى مشاركة مصر للطيران التي عرضت خدماتها وخططها لجذب مزيد من السياح. والحقيقة أن مصر للطيران تُعد أهم ناقل جوي للسائحين من إسبانيا إلى مصر. وحقيقة فإن مصر لا تحتاج إلى تسويق آثارها، فكل طفل في العالم، بمجرد أن يُذكر أمامه اسم مصر، يتحدث فوراً عن هرم الملك خوفو وأبو الهول والمومياوات وتوت عنخ آمون. 

ومن وجهة نظري، فإن اللغة الأهم في تسويق مصر.. هي التأكيد على عنصر الأمان، وشرح أن مصر بعيدة تماماً عن اضطرابات المنطقة! حيث لاحظتُ أن بعض الأجانب – خاصة من الولايات المتحدة – يشعرون بالقلق من زيارة مصر.. بسبب خلطهم بين مواقع الصراعات الجغرافية، وهو أمر ناتج عن جهل كثيرين بخريطة العالم. لذلك يجب التركيز إعلامياً على أن مصر دولة آمنة.

كما أؤكد على ضرورة التوسع في الموافقة على تصوير الأفلام الوثائقية في مصر، خاصة تلك التي تقوم بالتصوير داخل المواقع الأثرية والمتاحف، وتتم تحت إشراف أثريين متخصصين، مما يمنع أي تجاوز. وقد صُوِّرت بالفعل آلاف الأفلام لقنوات عالمية مثل National Geographic وDiscovery Channel.

وأشيد هنا بالجهد الكبير الذي قام به الدكتور مصطفى مدبولي – رئيس الوزراء – حين وضع حداً للمعاناة التي كان يواجهها منتجو الأفلام الروائية، الذين كانوا – كما نقول بالعامية – «يدوخون السبع دوخات» على سبع جهات حكومية مختلفة، لكل منها قوانينها وإجراءاتها المعقدة، فضلاً عن التأخير الطويل في إصدار الموافقات.

وأذكر هنا قصة وقعت معي – أثناء تدريسي مادة عن الأهرامات في لوس أنجلوس خلال فصل الصيف – حين جاءت إليَّ المنتجة السينمائية جولي كورمان، (زوجة المخرج الأمريكي الشهير روجر كورمان، أحد أهم مخرجي أفلام الرعب، والذي كان سبباً في اكتشاف جاك نيكلسون). أخبرتني جولي برغبتها في تصوير فيلم بعنوان «أسطورة المقبرة المفقودة»، وهو فيلم عائلي من بطولة الممثل الشهير شيندش كينش. لكنها قالت إنها استشارت المخرج الكبير ستيفن سبيلبرغ، فنصحها بعدم الذهاب إلى مصر.. بسبب التعقيدات الحكومية.

وأخبرتني أنها سبق أن حاولت التصوير في مصر، لكنها فوجئت بطلبات غير مبررة، منها الحصول على نسخ من المواد المصورة، ما دفعها إلى مغادرة مصر والتوجه إلى المغرب، رغم وجود عروض تصوير مجانية من دول أخرى مثل إسرائيل، لكنها اختارت المغرب لأن شعبه يشبه المصريين.

ولهذا، فإن إلغاء هذه القيود – بفضل قرارات الدكتور مصطفى مدبولي – كان خطوة بالغة الأهمية، إذ بدأنا نرى عدداً متزايداً من الأفلام الأمريكية التي تُصوَّر داخل مصر، وهو ما يمكن أن يُسهم بشكل مباشر في تحسين الدخل القومي، وتعزيز صورة مصر عالمياً.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة