أحمد الجمال
تقرأ المصادر التاريخية بعينك المعاصرة، فتُسقط على ما فيها معايير ثقافتك وخبرتك المجتمعية ومنظومة قيمك، ولا تملك إلا أن تشهق بعمق، وتزفر بأنين، ولسان حالك يهتف في صمت «يا حبيبتي يا مصر«.
ثم يقرع ذهنك تساؤل لا تجد له إجابة: لماذا خضعنا – كمصريين – لذلك العسف والظلم والنهب والسلب والقتل، الذي أنزله بنا الغزاة.. منذ الفرس إلى الإغريق والرومان والعرب والترك والفرنسيين والبريطانيين، وحتى في زماننا الحديث والمعاصر، إثر طرد أسرة محمد علي وإعلان الجمهورية، لم يخلُ تاريخنا من حالات عسف وظلم ونهب فادحة؟
تعالوا لأنقل لكم بعض ما قرأت في «بدائع الزهور في وقائع الدهور»، المصدر التاريخي الذي ألّفه محمد بن أحمد بن إياس، ووعدتكم أن أكون في صحبته خلال رمضان، لأنني تخيلت أن الكتابة ستكون من النوع الخفيف السهل.. الطريف المسلي للقارئ الصائم، الذي سيجد بغيته في متابعة الشأن السياسي والاقتصادي والثقافي الحالي، في مقالات كثيرة يكتبها أهل الذكر من المفكرين والمحللين المحترمين.
قرأت عن تركة جوهر القائد الصقلي.. الذي بنى القاهرة، واستوزره المعز، ومن بعده العزيز، ووجدت ما نصه: «ومما وجد للأمير جوهر القائد بعد موته من الذهب العيّن «الخالص» ستمائة ألف ألف دينار – 600 مليون دينار- ومن الدراهم أربعة آلاف ألف درهم، ومن اللؤلؤ الكبار واليواقيت أربعة صناديق مجلدة، ومن القصب الزمرد ألف قصبة، ومن الثياب الديباج خمس وسبعين ألف قطعة، ووجد عنده دواة «محبرة» من الذهب.. طولها ذراع، وهي مرصَّعة بالدر والياقوت؛ فقوِّم ما عليها من الجواهر باثني عشر ألف دينار، ووجد عنده نصبة – شماعة – من المسك والعنبر الخام، فكان إذا نزع أثوابه ألبسها عليها، ووجد في داره مائة مسمار من الذهب، على كل مسمار منها عمامة، وألف ملعقة من الذهب والفضة، وعشرة آلاف زبدية صيني.. وأربعة دسوت – جمع دست، وهو ما يُطهى فيه الطعام – من الذهب، وزن كل دست مائة رطل مصري، ووجد عنده سبعمائة خاتم.. بفصوص ياقوت وماس وبلخش وزمرد وفيروز.. هذا كله خارجاً عن البغال والخيول والجمال والأملاك والضياع«.
وقد بحثت، فوجدت أن الدينار الذهبي في العصر الفاطمي.. كان من عيار 24، ووزنه يتراوح بين 4.18 جرام وبين 4.25 جرام.. ثم تزداد شنهفتي على المحروسة، عندما تابعت وقرأت عن تركة سيدة الملك – ست الملك – أخت المعز: «فوجد لها من الذهب العيّن 300 صندوق، ومن الجواهر واليواقيت خمسة ويبات، ووجد عندها مدهن من الياقوت الأحمر وزنه سبعة وعشرون مثقالاً، وثلاثون ألف شقة حرير ملوَّن. والمفاجأة.. أنها – رغم هذه السعة – كانت أزهد الناس في الدنيا، ولا تأكل إلا من ثمن ما تغزله بيديها.. حتى ماتت»، والويبة مكيال مصري قديم يعادل في الحجم 33 لتراً أو سدس إردب، أي كيلتين، أما المثقال آنذاك فيساوي وزن الدينار 4.25 جرام.
ونأتي إلى ثالثة الأثافي – جمع «أثفية» – (وهي الأحجار الثلاثة التي كان ينصبها العرب قديماً تحت القدر لطهي الطعام)، والمعنى المجازي: «رماه بثالثة الأثافي» أي أوقعه في أقصى درجات الضرر، وأقصد هنا ما أورده مؤرخنا ابن إياس.. عن تركة الأمير «برجوان» – الذي ما زال اسمه حتى الآن معلقاً على حارة برجوان، (في الخرنفش بالقرب من سيدنا الحسين) – وكم ذهبت إلى هناك لأجلس مع صديقي أحمد توفيق – رحمه الله – على مقهى كان اسمه «زتونة» أو «زيتونة»، أظنه أغلق الآن.
والحكاية أن برجوان، كان هو القائم على تدبير أمور القاهرة.. أيام الحاكم بأمر الله، وكان الحاكم لا يتصرف في شيء من أمر الحكم.. إلا برأي الأمير برجوان، حتى ضاق الحاكم بوصايته.. فندب إلى برجوان من قتله وهو في الحمام. ووضع الحاكم يده على تركته، فوجدها أضعاف ما وُجد للأمير جوهر الصقلي القائد، ومن جملة ذلك: «من الذهب العين – عيار 24 – مائتي ألف ألف دينار- أي 200 مليون – ومن الفضة الدراهم خمسين إردباً – الإردب 12 كيلة، والكيلة حوالي 12 كيلوجراماً – ووجد له من القماش مائتان وستون بقجة، ووجد له ألف قميص حرير سكندري، واثنا عشر صندوقاً من الجواهر والفصوص، ووجد من الفرش والأواني ما لا يُحصى، حتى قيل إن ما كان ينقل من حارة برجوان.. إلى قصر الزمرد – مقر الحاكم بأمر الله – في كل يوم.. دفعتان على مائتي جمل، لنحو أربعين يوماً، وهو لا يفرغ، هذا خارجاً عن الضياع والأملاك والدواب والعبيد والجواري«.
يا حببتي يا مصر.. يا منهوبة من زمان.
نقلاً عن «المصري اليوم»