مصطفى كامل السيد
مع غياب اليقين عن مسار العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، وميل المراقبين إلى الاعتقاد بأن هذه الحرب – ومعها الحرب الروسية الأوكرانية – أصبحتا نموذجاً لحرب ممتدة.. ليس فيها منتصر ولا مهزوم. ومع ذلك، فهناك قضايا تثيرها في الشرق الأوسط حرب الخليج الثالثة، يمكن مناقشتها.. على الرغم من شح المعلومات الموثوقة عن نوايا الأطراف المباشرة فيها.
من أهم هذه القضايا، أنه أصبح مؤكداً.. أن نظام الأمن في كل الدول العربية أصبح مهدداً، تستوي في ذلك دول الخليج العربي، ودول المشرق العربي. لم تحمِ مظلة الدفاع الأمريكي دول الخليج كلها؛ لا من هجمات المُسيَّرات، ولا الصواريخ الإيرانية. ومع أن بعضها قد توجَّه إلى القواعد الأمريكية في هذه الدول، إلا أن الكثير منها قد أصاب البنية الأساسية في قطاع النفط والغاز الطبيعي، وخصوصاً في دولتي قطر والكويت.. بأضرار سيتطلب إصلاحها سنوات.
ولا يقتصر تهديد الأمن الوطني على دول الخليج، بل إنه مأساة يومية في كل من غزة والضفة الغربية ولبنان.. على يد القوات الإسرائيلية والمستوطنين الذين تناصرهم، التي فتح شهيتها التوسعية.. وقوف الدول العربية متفرجة على كل تطورات النكبة العربية الثالثة. ولا تنجو من هذا التوسع.. حكومات تتحرق لإبرام اتفاقات تطبيع مع إسرائيل؛ مثل الحكومة السورية. أو حتى حكومات أبرمت اتفاقات تطبيع مع إسرائيل.. مثل مصر والأردن؛ الأولى.. بسبب عزم نتنياهو على حصر الفلسطينيين في غزة في 30٪ من حدود القطاع، مما يهدد بدفعهم لاقتحام الحدود المصرية.. هرباً من هذا الحصر في المساحة الضيقة على الحدود مع مصر. والثانية.. لما قد ينجم عن الضغوط التي يمارسها المستوطنون في الضفة الغربية على الفلسطينيين هناك، لدفعهم نحو الأردن.، وهو ما تخشاه حكومته.
مطامع إسرائيل – بالمناسبة – لا تقف عند حد الدول المجاورة لها؛ فإسرائيل الكبرى – وفقاً لتصريحات قادتها وسفير الولايات المتحدة فيها – تشمل مساحات واسعة أيضاً؛ ليس من هذه الدول المجاورة فحسب، بل تمتد أيضاً إلى العراق والمملكة العربية السعودية. وقد علَّمنا تاريخ الحركة الصهيونية.. أن نأخذ ما يقوله قادتها بشأن هذه المسائل.. بكل الجد. بل وحتى لو كان التوسع الإقليمي الإسرائيلي إلى حدود هذه الدول مستبعداً، إلا أن تلاعب إسرائيل بالقضية الطائفية في هذه الدول.. شديد الاحتمال. ونحن نرى بالفعل مثالاً على ذلك.. في تشجيع إسرائيل دعاوى الانفصال بين أقلية من الدروز في سوريا، واللعب على أوتار الخلافات الطائفية من جانب إسرائيل قديم.. في السودان والعراق ولبنان.
أفكار للنقاش حول ترتيبات أمنية إقليمية:
1 – ماذا تفعل الدول العربية في مواجهة هذه الأخطار؟
دفن الرؤوس في الرمال، بدعوى أن الحماية الأمريكية ستستمر في دول الخليج، وأن مصداقيتها ستكون أعلى في المستقبل.. هو مخاطرة أخرى، لا تسندها تجربة هذه الدول مع الولايات المتحدة، التي لم توفر لها حماية فعالة من هجمات المُسيَّرات والصواريخ الإيرانية في المرحلة الأولى من الحرب، وليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأنها ستكون أكثر فاعلية في المستقبل.. بحجة حاجة الولايات المتحدة لنفط الخليج وحرمان الصين منه؛ فالاقتصاد الصيني – بدخوله مرحلة الاقتصادات المتقدمة – قادر على تجاوز عقبة الاعتماد على نفط الخليج، من مصادر أخرى تقليدية وجديدة ومتجددة. لقد طُرحت أفكار كثيرة حول بدائل الأمن في دول الخليج، بل وفي الشرق الأوسط، وربما كان أكثرها تحديداً.. هو ما ورد في صحيفة فينانشيال تايمز البريطانية (نقلاً عن مركز أبحاث أوروبي)، ونُسبت أفكار أخرى لكل من المملكة العربية السعودية ومصر، وقد انبرى آخرون لمناقشة هذه الأفكار.
2 – أين الخطر، ومن الذي يواجهه: بين العالم العربي والشرق الأوسط
يُلاحظ على هذه المناقشات، أنها تهمل تحديد مصدر الخطر الذي ستسعى هذه الترتيبات لمواجهته ،والهدف النهائي منها. ويطرح هذا المقال – باختصار – عدداً من الأفكار الضرورية للانتقال بهذا النقاش قُدماً، بدلاً من الاستغراق في تفاصيله التنظيمية:
أولاً: من الواضح أن أي ترتيبات جديدة ذات مصداقية للأمن في الشرق الأوسط – وفي منطقة الخليج تحديداً – يجب أن يكون لها درع عسكري، فلن تطمئن دول الخليج مثلاً.. لترتيبات أمنية تجعل التنسيق السياسي أو التعاون الاقتصادي – على أهميتهما – بديلاً كافياً لما تصورته حماية أمريكية.. مسنودة بقواعد عسكرية، وتواجد لقوات أمريكية في هذه الدول. ربما يستغرق الوصول إلى هذا الدرع العسكري.. فترة من الزمن، ولكنه لا غنى عنه.. حتى يوفر هذا الترتيب الشعور بالأمن المطلوب. ولا يجب الاحتجاج هنا بأن اتفاقات هلسنكي في أغسطس 1975 – التي جمعت الدول الغربية مع الدول الاشتراكية في شرق أوروبا – كانت تركز على تعزيز التبادل الاقتصادي والثقافي بين كل هذه الدول؛ فقد كان الطرفان مسنودين بحلفين عسكريين.. هما حلف الأطلنطي من ناحية، الذي ضم المجموعة الأولى. وحلف وارسو، الذي ضم المجموعة الثانية.
ثانياً: إن كل الترتيبات الأمنية الفعالة.. تقوم أساساً، لأن هناك تصوراً لمن هو العدو المشترك؛ فوجود هذا العدو المشترك، وتهديده لوحدة أراضي الدول الأعضاء – أو استقلالها أو استقرارها السياسي – هو الذي يدعو الدول الأعضاء لتنسيق سياساتها الخارجية، والتعاون الأمني والعسكري.. لمواجهة هذا العدو. ومن الواضح أن دول الخليج والدول العربية عموماً، لا تتفق على تحديد العدو المشترك. فباستثناء كل من مصر والأردن، اللتين تواجهان تهديداً صريحاً.. من دولة أبرمتا معها معاهدة سلام، فلا يبدو أن الدولتين الخليجيتين.. اللتين دخلتا مع إسرائيل في علاقات تطبيع – وهما الإمارات والبحرين – تعتبرانها عدواً، بل وينطبق ذلك أيضاً على دولة المغرب، التي وثقت علاقاتها العسكرية والأمنية مع إسرائيل.
ولهذا السبب أيضاً، فإن العودة إلى معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية.. لا محل لها؛ ففضلاً عن أسباب أخرى، لا تجعل هذه المعاهدة ضماناً كافياً لتحقيق الأمن للدول العربية في مواجهة إسرائيل، لتفوقها التقني والعسكري.. في مواجهة كل الدول أعضاء هذه المعاهدة.
ثالثاً: إنه ليس من الضروري أن تشمل الترتيبات الأمنية كل الدول العربية.. في البداية، ولا أن تشمل كل دول الشرق الأوسط، ولكنها يجب أن تشمل الدول التي تستطيع معاً.. حشد القدرات العلمية والتكنولوجية والمالية والاقتصادية والعسكرية.. لمواجهة عدو مشترك. لا تملك الدول العربية معاً هذه القدرات كلها، ولكن يمكن لتجمُّع الدول الكبرى في الشرق الأوسط؛ مثل المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا وإيران.. حشد هذه القدرات. أظهرت إيران قدراتها العلمية والتكنولوجية والحربية.. في مواجهة كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. صحيح أنها لم تنتصر عليهما، ولكنها كلفتهما خسائر كبيرة، لم تمكنهما من تحقيق أهدافهما من الحرب التي شنتاها عليها. وتملك تركيا قدرات مماثلة، باستبعاد مجال الأبحاث النووية والصواريخ بعيدة المدى، وتملك السعودية قدرات مهمة مالية واقتصادية ووزناً دولياً كبيراً. وتملك مصر بدورها قدرات علمية وبشرية وعسكرية يُعتد بها. وفضلاً على ذلك، فإن إسرائيل هي عدو مشترك لها جميعاً.. بما في ذلك المملكة العربية السعودية.
رابعاً: اقتصرت الأفكار المطروحة لترتيبات أمنية في الشرق الأوسط.. على دول عربية وإسلامية مستبعدة إيران. ولهذا الطرح خطورته، فهو يوحي بأن الهدف من هذه الترتيبات هو حشد الدول السنية.. في مواجهة الدولة الشيعية الكبرى في الشرق الأوسط. وهذا تحديداً.. هو ما تسعى له كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. والأهم من ذلك، أنه لا يحقق أمناً، وإنما يستديم التوتر القائم بين دول الخليج والحكومات العربية المناصرة لها من ناحية، وإيران من ناحية أخرى. كما أنه يشجع إيران على استمرار دعم الجماعات الشيعية في بعض الدول العربية؛ خصوصاً في لبنان والعراق واليمن.. ضد حكومات بلادها.
ولحسن الحظ، أن أصواتاً ارتفعت في بعض دول الخليج – خصوصاً المملكة العربية السعودية وقطر – تدعو لبناء علاقات تقوم على الثقة والتعاون مع إيران، كما أنه.. بعد أن تسكت المدافع، ستكون الحكومة الإيرانية مشغولة بتعمير ما دمرته الحرب، وتعويض مواطنيها عما سببه الحصار الاقتصادي عليهم.. من تقشف وشظف العيش، كما ستكون حريصة على اجتذاب دول الخليج.. لمساعدتها في الخروج من ضائقتها الاقتصادية. وقد كانت هناك بوادر لذلك قبل الحرب. طبعاً هذا يقتضي من الحكومة الإيرانية أن تخرج بإيران من مرحلة دولة الثورة، إلى مرحلة الدولة المشغولة ببنائها الداخلي، وتلبية دعوات الإصلاح التي أعرب الرئيس الإيراني عن تعاطفه مع بعضها. وفضلاً على ذلك كله، فإيران هي أيضاً حقيقة جغرافية.. تجاور دول الخليج، والأفضل لها جميعاً.. أن تجد طريقة للتعايش الآمن معاً.
خامساً: طبعاً هذه الترتيبات.. ستكون مفتوحة لإسرائيل، بشرط تخليها عن احتلالها للأراضي العربية.. في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، وتمكين الشعب الفلسطيني من بناء دولته في تلك الأراضي، التي ستجلو قواتها عنها، وأن تعترف بالقدس عاصمة للدولة الفلسطينية، وأن تحدد بصفة نهائية حدودها.. التي تريد للحكومات العربية أن تعترف بها.
نقلاً عن «الشروق»