د. نيفين مسعد
لا يحتاج المراقب عن كثب للشؤون العراقية.. أن يبذل جهداً كبيراً، ليكتشف أن العراق يراد له دخول مرحلة صعبة.. في حدود الأمد المنظور، وأن العراق قد يكون هو الملف المرشَّح لتطورات مهمة.. بعد التطورات التي ألمَّت بملفات غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان واليمن. هذا، فضلاً عن التطورات الخاصة بالملف الإيراني.
وهذه المرحلة الصعبة – التي يتوقعها المراقب – لا ترتبط فقط باختيار الإطار التنسيقي لنوري المالكي.. رئيساً للوزراء، مع كل التداعيات المرتبطة بهذا الاختيار.. من تأجيج للمشاعر الطائفية البغيضة، وإعادة العراق مجدداً.. ليكون طرفاً في الصراع الأمريكي-الإيراني. لكن الصعوبة أيضاً تنبع من الآثار المحتملة لتلك الحملة المنظمة والمستمرة منذ عدة أسابيع.
وذلك أن هناك كماً من الشائعات المغرضة، والمعلومات المغلوطة، والمنشورات التحريضية.. التي تتدفق بكثافة غير معتادة عبر مختلَف وسائل التواصل الاجتماعي، ما جعلني أعود – أكثر من مرة – إلى مصادري الموثوقة في داخل العراق.. للتأكد والتحقق. ومن واقع تحليل مضمون هذه الحملة الإعلامية الشرسة، يمكن القول إنها تسعى لهزِّ الاستقرار الداخلي.. عبر التشكيك في مصداقية النظام السياسي القائم، وتوظيف المصاعب التي يواجهها.. لطرح بدائل للتغيير الجذري له. ومصطلح التغيير الجذري مقصود لذاته، لأنه يتجاوز حدود التغيير في الأشخاص والأحزاب الحاكمة.. إلى تغيير المؤسسات وشكل نظام الحكم، بل وشكل الدولة نفسها.
وفي طرح مثل هذه البدائل، ليس المطلوب أن تتحلّى بالجديَّة أو بالقابلية للتحقيق على أرض الواقع، فالتأمل فيها كفيل بإثبات تهافتها، لكن المطلوب هو إشاعة البلبلة وتأزيم الواقع العراقي، وإيجاد بيئة صراعية تساعد على تفجير التناقضات الداخلية.
وسيحاول مقال اليوم تسليط الضوء على نموذج واحد.. من نماذج هذه الشائعات، التي تستهدف الاستقرار السياسي العراقي، وذلك من منطلق الإيمان بأهمية الانتباه لما يُحاك للعراق.. في إقليم جغرافي مزدحم بالصراعات.
كلنا تابعنا تصريحات توماس باراك في منتدى الدوحة.. قبل نحو شهرين، عندما كان وقتها مبعوث الإدارة الأمريكية لكلٍّ من سوريا ولبنان، وسفيراً لبلاده لدى تركيا.
في هذه التصريحات، امتدح توماس باراك نظم الحكم الملكية – مع الإشارة بشكل خاص للنظم في منطقة الخليج – كما انتقد تجارب اللامركزية السياسية.. سواء في العراق أو في سوريا، لأنها تؤدي إلى التقسيم. إذن، هذه التصريحات قديمة ومعروفة. وأثارت جدلَاً واسعَاً في حينها. ومن جانبي، سبق لي أن كتبت عنها – في نفس هذا المكان، في 13 ديسمبر الماضي – مقالَاً بعنوان «توماس باراك.. أزمات لا تنتهي» انتقدتُ فيه خلطه للأمور وعدم تمييزه بين ظروف الدول التي ذكرها.
لكن ما يحدث الآن، هو استدعاء هذه التصريحات بكثافة.. وكأنها تصريحات حديثة قالها باراك للتوِّ، مع اختلاق بعض الإضافات.. الكفيلة بإثارة البلبلة. وأشير – في هذا السياق بالتحديد – إلى انتشار الشائعة التي تقول إن توماس باراك.. صرَّح بأنه يفضِّل النظام الملكي للعراق، بدلاً من النظام الجمهوري.
ولمزيد من التفاصيل، تتحدث الشائعة عن عودة الأسرة الهاشمية الأردنية لحكم العراق، مع ترشيحات محددة لشخصيات من هذه الأسرة.
لم أكن أتخيل يوماً ما، أن أقف في موقف الدفاع عن توماس باراك.. الذي ينظر لدول الشرق الأوسط وشعوبه، نظرة تتميَّز بالقصور المعرفي والاستعلاء الحضاري، والذي نال لبنان وطنه الأم من إساءاته.. ما لم ينله بلد آخر. لكن في الوقت نفسه، فإن الموضوعية تقتضي القول إنني بحثت عن تصريح لباراك.. يدعو فيه بشكل واضح لعودة الملكية إلى العراق.. فلم أجد.
وقادتني كل محاولاتي – للتأكد من صحة هذا الكلام – إلى التصريحات التي أدلى بها في منتدى الدوحة.. عن امتداحه للحكم الملكي، دون أي إشارة للعراق في هذا الخصوص. أمّا ما ورد في أحد حواراته على هامش المنتدى حول العراق، فكان يخص نقده لفيدرالية إقليم كردستان، وهو النقد الذي استوجب صدور بيان من وزارة الخارجية العراقية.. لتأكيد ضرورة احترام خيارات الشعب العراقي.
الذين يروِّجون لهذه الشائعة، اختاروا توقيتها بخبث شديد.. كي تكون مواكبة لتكليف توماس باراك بملف العراق، مع كل من الملفين السوري واللبناني. بحيث يبدو الأمر – لغير المدقق – وكأن المبعوث الأمريكي الجديد يطرح تصوره.. لما يجب أن يكون عليه مستقبل نظام الحكم في العراق.
كذلك تواكَبَت هذه الشائعة، مع الحديث عن قرب عودة آل بهلوي لحكم إيران.. بعد إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، مما ترك انطباعاً بأن هناك «موجة» من الترويج للنظم الملكية في الشرق الأوسط، بعد تلك الموجة التي شهدناها.. مع اندلاع الحركات الاحتجاجية في بعض النظم الجمهورية عام 2011. فمع أن تلك الاحتجاجات الشعبية وصلت إلى مملكة البحرين، إلا أنه كان يُنظر إلى هذه الحالة.. باعتبارها الاستثناء الذي لا يغيِّر القاعدة، وهي أن عدم الاستقرار يرتبط بالنظم الجمهورية.. لا الملكية.
وفيما يخص العراق – وفي محاولة لتسويق استعادته للحكم الملكي، وإضفاء المشروعية القانونية عليه – ذهب البعض إلى أن ما حدث في العراق عام 1958، كان انقلاباً على دستور عام 1925.. الذي يجعل من المَلكية وديعة الشعب للملك فيصل بن الحسين، ثم لورثته من بعده.. بنص المادة التاسعة عشرة منه، بما يعني أن ما بُني على باطل فهو باطل.
وبطبيعة الحال، لا يفسِّر لنا مروِّجو هذه الشائعة – المنسوبة إلى توماس باراك – لماذا لم يقُم الرجل بترشيح النظام الملكي من باب أَولَى لسوريا.. التي تمر بمرحلة تغيير سياسي شامل، مما يجعل كل الخيارات مفتوحة أمامها. كما لم يشرحوا لنا – عند استدعائهم نقده القديم للفيدرالية – الفارق بين الوضع الكردي في إطار النظامين العراقي والسوري، والاختلافات العميقة بين التجربتين.. من حيث ظروف النشأة والنضج المؤسسي والعلاقات الخارجية. بل وحتى العلاقة مع المركز أيضاً، بما يجعل ما حدث مع أكراد سوريا صعباً.. أن يتكرر مع أكراد العراق.
والأهم من ذلك كله، أنهم لم يشرحوا لنا كيف يمكن الانتقال من النظام الجمهوري إلى النظام الملكي، ومن الدولة الفيدرالية إلى الدولة البسيطة.. في ظل صحوة المشاعر الطائفية والقومية، وأي انعكاس لهذا التطور.. على علاقة العراق بدول جواره المباشر.
أعوِّل كثيراً على يقظة الشعب العراقي.. في مواجهة هذه الحملة المنظمة، وعلى وعيه.. بأن علاج المشكلات الداخلية يكون بتلافي أسبابها، لا بتغييرات راديكالية.. تحمل في باطنها مشاكل أكبر بكثير.
نقلاً عن «الأهرام»