Times of Egypt

ماذا رأيت داخل إيران في 6 زيارات؟

M.Adam
محمد أبو الغار 

محمد أبوالغار

في عام 1977 زار شاه إيران والشاهبانو مصر زيارة رسمية، ورحب بهم الرئيس السادات، واتفقت السيدة جيهان السادات والشاهبانو.. على ترتيب توأمة بين جامعة القاهرة وجامعة طهران، وبدأ التطبيق بسفر بعثة رياضية كبيرة من جامعة القاهرة، ضمت حوالي 300 طالب وطالبة لتلعب مباريات في مختلف الألعاب مع جامعة طهران، ورأست البعثة الطلابية بصفتي عضو هيئة التدريس.. المشرف على النشاط الرياضي والثقافي في جامعة القاهرة.

وصلنا طهران وكان في انتظارنا شاب عرف نفسه بأنه المسؤول الأمني عن البعثة، فهمت بعد ذلك أنه من السافاك، وهو جهاز الأمن الرهيب الذي عذب وقتل الآلاف. ويوم وصولنا تم اغتيال أربع دبلوماسيين أمريكان.

صدرت أوامر بأن تحركاتنا تكون بأوتوبيسات، وممنوع منعاً باتاً أن يسير الطلبة والطالبات المصريين في الشارع. وتذمر الطلاب الذين كانوا يريدون التجول.

اتصلت بي سيدة إيرانية – زوجة زميل أستاذ أمراض نساء مصري، كانت تقيم في القاهرة، وقامت بدعوتي لحضور فرح أحد أقاربها. مرت عليّ وأخذتني بالسيارة، إلى الحي الراقي في طهران.. وبه القصر الملكي، وهو يقع أعلى تل عالٍ يشبه المقطم في القاهرة. وكانت العروس بنت أحد مليارديرات إيران – من أصحاب البازارات الضخمة – وشهدت فرحاً يشابه ما هو مكتوب في ألف ليلة وليلة؛ حديقة ضخمة بقصر الأب، وفي كل ركن توجد فرقة موسيقية مختلفة.. فرقة شرقية معها أشهر مطربة في إيران، وفرقة موسيقى غربية وشباب يرقص، وفرقة موسيقى كلاسيكية. الحديقة بها مئات التماثيل – لمصنوعة من الثلج الذي ينصهر – وكمية الطعام.. قيل أنه ورد من باريس مهولة، وهناك عدة بارات تقدم جميع أنواع المشروبات.

الطرق في طهران – حيث كنا نسير بالأوتوبيس مع الطلاب – كانت مليئة بالمطبات، ولا أحد يحترم إشارات المرور، ولا احترام لأماكن عبور المشاة، والحوادث كانت كثيرة أمامنا. بعد زيارة قصر الشاه والمتاحف انتهت زيارتنا لطهران وركبنا الأوتوبيسات إلى أصفهان، وهناك انطلق الطلبة والطالبات في الشوارع والأسواق، وجمعناهم بصعوبة.. للعب المباريات في جامعة أصفهان. مكثنا ليلتين، وكان الجميع في سعادة بالغة.. بعد توقف القيود الشديدة في طهران. وبعد عودتنا، كانت القاهرة تغلي بالمظاهرات بسبب ارتفاع الأسعار، وشاركت مع الطلاب في بعض الاجتماعات والتظاهرات، وفوجئت باستدعاء تليفوني من مكتب رئيس الجامعة الراحل د. حسن حمدي – الذي كنت أعرفه معرفة وثيقة، منذ كنت طالباً نشيطاً في ثانية طب، وهو كان يدرس لنا علم الفسيولوجيا، وكان مشرفاً على النشاط الرياضي الاجتماعي، وتوثقت العلاقة بعدما انتخب عميداً للكلية.. حين كنت أستاذاً مساعداً،

وفوجئت به يشخط فيّ بشدة، ويتهمني بالتهور وكيف أنني شاركت مع الطلاب في اجتماعات احتجاجية.. سجلها الأمن، وأن على أن أسافر لمدة شهرين.. لقطع العلاقة مع الطلبة الناشطين سياسياً. وقال إن هناك منحة وصلت الجامعة.. من منظمة الصحة العالمية للتدريب على التعليم الطبي المستمر في شيراز، وتمت الإجراءات، وسافرت لإبعادي عن النشاط الطلابي.

شيراز – ثالث أكبر مدن إيران، وبها قبر الشاعر العظيم حافظ الشيرازي – وكانت المحاضرات مفيدة.. ألقاها أساتذة من منظمة الصحة العالمية. والمدينة لطيفة وهادئة، وبعيدة عن الغليان الموجود في طهران. كنا نسمع عن المشاكل والتظاهرات في طهران وأصفهان. زرت قبر حافظ الشيرازي، ووجدت ترجمة عربية لشعره.. قرأتها هناك. شيراز قريبة جداً من العراق، ولذا فهناك بعض المعرفة باللغة العربية. 

ثم عدت إلى القاهرة، وبعد أسابيع قليلة.. عمت المظاهرات العنيفة إيران، وكانت الصحف المصرية تؤيد الشاه.. صديق الرئيس السادات، وكان الشعب المصري منقسماً.. بين الخوف من الخميني، وتكوين دولة إسلامية تحكم بالكامل بالشريعة، وبين البعض الذي يريد للثورة الإسلامية أن تنجح، وبين مجموعة مثلي.. كنت شديد الغضب من حكم الشاه الديكتاتوري البشع، والسافاك العنيف، وفي نفس الوقت كنت منزعجاً من نجاح الخميني.. لأنني أؤمن بأن أي دولة ناجحة لابد أن تفصل الدين عن الدولة، وأن يكون حكمها مدنياً.

وصل الخميني إلى طهران من باريس، واستقبله عشرات الملايين، وتحولت إيران إلى دولة تحكم بواسطة الملالي، وأطيح بكل القوى المدنية.. التي حاربت الشاه لسنوات طويلة.. دفاعاً عن حرية الوطن.

ومرت السنوات، واستتب الحكم لنظام الملالي، وفي عام 1986.. افتتحنا أول مركز لأطفال الأنابيب، وبدأنا أبحاثنا العلمية – التي نشرت في العديد من المجلات العلمية العالمية – وفي ظرف سنوات قليلة، أصبح لنا وضع عالمي متميز في العالم، وعندما بدأت إيران في إنشاء أول مركز أطفال الأنابيب في طهران، تمت دعوتي لحضور مؤتمر وإلقاء بعض المحاضرات، والمساهمة في تدريب الأطباء الإيرانيين في ورشة العمل. أقمنا في فندق كان اسمه شيراتون ولكن تغير إلى اسم إيراني، ولم يحدث تجديد به لسنوات طويلة، ولذا أصبحت حالته سيئة. لاحظت مثابرة من الأطباء الإيرانيين على التعلم، وكانت أحياء طهران لا تختلف كثيراً عن أحياء القاهرة.

دعيت إلى هذا المؤتمر ثلاث مرات أخرى.. في سنوات مختلفة، ولم ألاحظ أبداً أن هناك تقدماً علمياً عظيماً. ربما تكون الأبحاث العلمية في الذرة أو علوم الصواريخ.. متقدمة في مراكز متخصصة، ولكن البنية العامة مشابهة لحد كبير لبقية دول العالم الثالث، الفارق الأساسي هو سيطرة الملالي على كل شيء في الدولة. وبالرغم من أن الانتخابات حرة.. ولا يوجد تزوير، إلا أن الدولة لها سلطة الاعتراض على أسماء المرشحين – قبل بدء الانتخابات – وبهذه الطريقة تمنع من تعترض عليهم.

في أحد المؤتمرات التي حضرتها في طهران، كان هناك عدد من الأطباء الأمريكيين والأوروبيين.. من مختلف الجنسيات، وفي اليوم السابق للافتتاح – وهو يوم إجراء ورش العمل – حدث الهجوم على أبراج مركز التجارة العالمي في نيويورك، وفور علمنا بالحادث حدث خوف شديد بين المشاركين من أمريكا وأوروبا. وفي المساء كنا مدعوين في بيت إيراني.. وكيل شركة أدوية عالمية، والبيت يبدو بسيطاً من الخارج، ولكن من الداخل كان المكان فسيحاً ومختلفاً، فالسيدات غير محجبات، ويرتدين ملابس قصيرة، ويوجد بار.. به كل أنواع الكحوليات الممنوعة تماماً في إيران.

وفهمنا أنه توجد إيران أخرى.. داخل إيران التي نراها. وفي اليوم التالي سافر الجميع كل إلى بلده، وألغى المؤتمر.

كتبت هذا المقال بينما أتابع الأحداث الرهيبة في إيران.

(قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك)

نقلاً عن «المصري اليوم«

شارك هذه المقالة