Times of Egypt

ليست نهاية التنمية

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

مارك سوزمان – الرئيس التنفيذي لمؤسسة بيل جيتس – هو أحد الأصوات النقدية البارزة.. للسياسات الاقتصادية والمالية السائدة. تعرفت على آرائه للمرة الأولى، من خلال مساهمته اللافتة سنة 2023.. في اللقاء السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي (المعروف باسم «منتدى دافوس».. الذي ينعقد في يناير من كل سنة)، ويشكل ملتقى النخبة الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية والأمنية العالمية، الذي نحرص على متابعة فعالياته سنوياً.. على مدى عقد من الزمان في هذا المكان. في تلك السنة، نادى «سوزمان» بـ «ضرورة الوقوف إلى جانب الدول/الاقتصادات الهشة.. من خلال الأفعال لا الأقوال، وذلك من خلال حلول قادرة على حل المعضلات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية/المناخية والصحية.. لمواطني الجنوب العالمي».

صادفت آراء «سوزمان» في يناير 2023، إعلان الأمين العام للأمم المتحدة السياسي والدبلوماسي البرتغالي أنطونيو مانويل دي أوليفيرا جوتيريش (77 عاماً) – في الكلمة الافتتاحية إلى المنتدى الرفيع المستوى حول التنمية المستدامة (يونيو 2023) – ضرورة التضامن العالمي؛ من أجل إنقاذ أهداف التنمية المستدامة التي، «تأسّف»، لأنها «حادت عن المسار في منتصف الطريق.. إلى بلوغها أهدافها في 2030» woefully off-track halfway؛ وأن «غالبية ما كان مخططاً له.. من أجل إنجاز أهداف التنمية المستدامة الرئيسية الـ 17 (والفرعية البالغة 169) من: رخاء اقتصادي، ورفاهة وسلامة صحية وحماية للبيئة» قد تعثر.

وفي هذا المقام، أعلن «جوتيريش».. آنذاك، رقماً صادماً حول ما سبق، إذ ذكر بأنه: «لم يتحقق إلا 15% من أهداف التنمية المستدامة. وأنه لم يزل هناك 1.2 مليار مواطن في الكوكب.. يعانون من الفقر. وما يقرب من 10% من سكان العالم (800 مليون نسمة وقتئذ) يواجهون الجوع، إضافة إلى كثيرين يفتقرون إلى الحياة الكريمة. ناهيك عن غياب فرص متكافئة في التعليم والصحة»… وبناءً عليه، طالب الأمين العام للأمم المتحدة، برصد ما قيمته 500 مليار دولار سنوياً.. لإنقاذ أهداف التنمية المستدامة، وما لحقها من «إخفاقات دراماتيكية».

وفي مطلع شهر سبتمبر من نفس السنة (2023)، التأمت أعمال الدورة السنوية الـ 78 للجمعية العامة للأمم المتحدة، جدَّد «جوتيريش» إعلانه المؤلم.. حول حصاد التنمية المستدامة بوضوح وجرأة، بأن العالم يعيش «زمناً يتسم بالأزمات المتصاعدة»؛ والجميع – في كل قارة وكل إقليم وكل دولة – يشعر بمدى سخونة وحراجة الأوضاع على ظهر الكوكب؛ اقتصادياً، واجتماعياً، ومناخياً، وجيوسياسياً،. وأنه – بدلاً من أن يتوحد العالم للتصدي لتلك الأزمات – نجده يتشرذم؛ ومن ثم تفاقمت الصراعات الجيوسياسية والتنافسات الاقتصادية.. على حساب مواجهة التحديات المتعددة، ما سيؤدي إلى وقوع ما يقرب من مليار شخص.. في براثن فقر مدقع، وسيزيد من اتساع الفجوة التمويلية السنوية لأهداف التنمية المستدامة من 2.5 تريليون دولار (كما كان مقدراً لها قبل الجائحة)، إلى 5 تريليونات دولار.

في هذا السياق، كتب «مارك سوزمان».. نصاً غاية في الأهمية، في منتصف شهر سبتمبر 2023، حول ما سمَّاه «استياء الجنوب العالمي»؛ مفاده: أنه في وقت الشدة، أثبتت الدول الأكثر ثراء أنها ليست جديرة بثقة الدول الفقيرة. وقد انطلق النص من رصد السلوكيات الشائنة، التي سلكتها دول الشمال الغنية إبان الجائحة، وكيف أعطت ظهرها لدول الجنوب.. التي كانت في حاجة ملحة للقاحات.

فلقد مثَّل هذا الموقف المشين، ذروة عدم الوفاء بوعود الشمال الثري.. حيال تعزيز التنمية في دول الجنوب، ذات الدخل المنخفض والفقير. وفي هذا الإطار، أشار «سوزمان» آنذاك، إلى أن القمة العالمية من أجل ميثاق مالي جديد – التي استضافتها باريس في يونيو 2023 – تمثل خطوة مهمة.. نحو تلبية حاجة البلدان المنخفضة الدخل المُلحة إلى التمويل، ولكن لم يكن المقصود منها أن تشكل نقطة النهاية.

وكان أكبر إسهام لها، هو خلق مساحة قيِّمة لقادة البلدان المنخفضة (والمتوسطة) الدخل لكي يعلنوا توقعاتهم، إضافة إلى الوفاء بوعودها المادية للدول ذات الدخل المنخفض، ما يستدعي من الدول الغنية أن تتعلم كيف تتعامل مع البلدان ذات الدخل المنخفض.. باعتبارها بلداناً شريكة في التنمية، وليست مجرد متلقية للمعونة.. كدعم خيري. لذا، من الواجب عليها أن تعزز من التعاون.. في تخطيط وتعظيم عوائد أهداف التنمية المستدامة، خاصة تلك التي تتعلق بالتحديات الكوكبية الأكثر إلحاحاً؛ الصحية والمناخية والحياتية. المفارقة، أنه – بعد أقل من سنة ونصف السنة – قامت الولايات المتحدة الأمريكية.. في مستهل الفترة الترامبية الثانية (يناير 2025)، بوقف مساعدات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية؛ التي تمثل ما يقرب من 50% من حجم المساعدات العالمية. وقد أعقب القرار الأمريكي – بفترة وجيزة – إعلان الحكومة البريطانية تقليص ما قيمته 7 مليارات جنيه إسترليني.. من قيمة المعونة المقدمة لكثير من الدول، لصالح دعم متطلبات ميزانية الدفاع البريطانية.

ومع مطلع هذا الشهر – الأول من يونيو 2026 – كتب «مارك سوزمان» مقالاً مطولاً غاية في الأهمية بموقع دورية «الفورين أفيرز»، الأمريكية العريقة، بعنوان: «نهاية المساعدات الخارجية ليست نهاية التنمية The End of Foreign Aid Is Not the End of Development»؛ استهله بملاحظة دالة، مفادها أنه في الثاني من فبراير من سنة 2025، تلقى العاملون في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID).. رسالة إلكترونية، تعلنهم بعدم الحضور إلى أماكن عملهم. وأن هذا اليوم ـ ويا للمفارقة ـ قد صادف مرور عشرين عاماً بالتمام.. على وقوف المناضل الجنوب أفريقي الرئيس «نيلسون مانديلا» (1918 ــ 2013) في أحد ميادين لندن، أمام حشد من الجماهير معلناً بدء حملة عالمية.. تحت شعار «جعل الفقر من الماضي». وأشار «سوزمان» إلى أنه خلال السنة المنصرمة، خفض المانحون في الشمال الثري.. ما قدره 30 مليار دولار، من إجمالي مساعداتهم الخارجية للجنوب.

ما يعني، يشير سوزمان، أن «الفشل في بلوغ غالبية أهداف التنمية المستدامة.. حسبما كان مخططاً لها بحلول 2030» جاء بسبب محدودية الموارد من جهة، ونكوث دول الشمال عن الوفاء بوعودها بالدعم من جهة أخرى. 

ولمواجهة الإخفاق المتوقع، طرح «سوزمان» الشعار التالي: «إنها ليست نهاية التنمية»؛ وأنه يمكن تحقيق التنمية المأمولة من خلال: الاستغناء المخطط/المتدرج للمساعدات Planned Obsolescence، بالموارد المتاحة من جانب، وبموارد أقل من جانب آخر.. من خلال ما أطلق عليه: الاستثمارات التنموية الجوهرية core: الذكية والإنتاجية والابتكارية، التي تعظم القدرات… وهو ما سنفصله لاحقا.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة