عبدالله عبدالسلام
في مطلع القرن العشرين، أبحر اللورد كيرزون (1859- 1925) – حاكم الهند البريطانية، ووزير الخارجية الشهير فيما بعد – إلى الخليج العربي.. مُهدداً شيوخ المنطقة، ومُمارساً الخداع.. حتى يقبلوا الحماية البريطانية. حينها، دوّن كيرزون ملاحظاته قائلاً: «وجدنا صراعاً، وأقمنا نظاماً مكانه».
بعد ذلك، كانت المنطقة تغلي بالاضطرابات، ومازالت. وعندما غادر اللورد مونتجمري (المارشال بعدها).. فلسطين عام 1939 – إبّان الانتداب البريطاني – قال: «الثورة العربية سُحِقت تماماً.. وبشكل نهائي». سرعان ما اشتعل الصراع والحرب.. مع دعم الغرب العصابات اليهودية.
الآن، يفعل ترامب نفس الشيء.
يُكرر.. «إيران تلقت هزيمة غير مسبوقة ونهائية». لا حاجة للتعليق على كلامه وأكاذيبه. هكذا تتواصل سلسلة الأخطاء الكارثية لقيادات الغرب.. في تعاملها مع المنطقة. أفكار وسياسات سطحية.. يروجون لها، بينما هم غارقون في الانشغال بالذات. إنه سوء الفهم الغربي، والعجز عن استيعاب التفاعلات المحلية العميقة بالمنطقة، والاكتفاء بالتعامل معها.. عبر عناوين سطحية؛ مثل الديمقراطية، واقتصاد السوق، ومكافحة الإرهاب. أو من خلال مصالحة آنية.. لا تهم الشعوب.
في كتابه «المرجل.. تشكُّل الشرق الأوسط الحديث»، يبحث المؤرخ البريطاني البارز سايمون سيباج مونتيفيوري.. في الجذور العميقة للأزمات المُزمنة، التي تعصف بالشرق الأوسط. يناقش أسباب الفوضى العارمة قائلاً.. «تاريخ المنطقة هو الأكثر إثارة للجدل والخلاف، مقارنة بأي مكان آخر. ومع ذلك هي الأقل فهماً عند الغربيين».
المرجل.. هو الإناء الذي يغلي بشكل متواصل، مما يتسبب في انفجارات وكوارث. هكذا الشرق الأوسط منذ بداية القرن الماضي. سيطرة عثمانية شبه كاملة، سرعان ما تلاشت، وحل النفوذ الغربي. صعدت الأيديولوجيات ثم سقطت؛ من القومية العربية إلى الاشتراكية.. وصولاً للإسلام السياسي. ترافق ذلك مع ثنائية الثروة والثورة؛ البترول كان طفرة اقتصادية هائلة، لكنه تحول إلى لعنة.. عمت بسببها النزاعات، وأطماع القوى الكبرى. التوترات الطائفية ترسخت، ومسارات التنمية انحرفت. ولايزال المرجل يغلي ويتفجر.
في الكتاب (528 صفحة) تتردد أسماء زعماء وسياسيين من المنطقة. يقول المؤلف عن الملك فاروق؛ «كان حاكماً منعزلاً، غارقاً في ملذاته، تحيط به حاشية من المُفسدين والمحتالين. ومع ذلك، كان الغرب يقابل تلك الأفعال.. بقدر أكبر من التسامح». يرى مونتيفيوري.. أن بعض زعامات المنطقة – وفي مقدمتها جمال عبد الناصر والخوميني – تمتعت بفاعلية وتأثير.. أكبر مما تحب القوى العظمى. وهذا من بين أسباب الصدام. لكن الكتاب لا يُعفي قيادات المنطقة.. من تدهور الأوضاع، ووصولها إلى هذه الحالة المزرية. لقد حكمت بالحديد والنار، وسمحت بتفاقم المخاطر؛ السودان حالة صارخة.
الحرب الأهلية الدائرة في السودان.. أكبر مذبحة بشرية للمدنيين في الشرق الأوسط في العصر الحديث؛ إذ راح ضحيتها 400 ألف شخص، ونزوح 9 ملايين شخص. نعم الغرب يتحمل المسؤولية عن فشل المنطقة، لكن قياداتها مسؤولة أيضاً. الغرب لم يتركنا ويرحل، بل يواصل تدخله.. بالقوة أو بغيرها. ومع ذلك، فإن تخبطنا ومشاكلنا، يسهِّلان عليه التدخل. يتساءل المؤلف: «ما الذي يجذب الغرباء إلى الشرق الأوسط، حاملين معهم ثقة مُفرطة بالنفس، ويقيناً بقدرتهم على إرساء السلام والوئام؟».
إنها ثروات المنطقة، والفشل.. الذي لا نخرج منه أبداً.
نقلاً عن «المصري اليوم»